البث المباشر الراديو 9090
رامي زهدي
لا يختلف اثنان على أن الرياضة أصبحت لغة عالمية تتجاوز الحدود السياسية والجغرافية، وتتحول تدريجياً إلى أداة من أدوات القوة الناعمة الأكثر تأثيراً في العلاقات الدولية.

ومصر، بتاريخها ومكانتها وملاعبها وأساطيرها الرياضية، تمتلك عناصر ريادة رياضية إفريقية وإقليمية، خاصة من خلال كرة القدم التي تحولت إلى "طقس اجتماعي" لدى شعوب القارة.

اليوم، يمكن للرياضة المصرية، وتحديداً كرة القدم، أن تكون أحد أهم محركات النفوذ المصري في إفريقيا، ليس فقط عبر الإنجازات والبطولات، بل من خلال تحويلها إلى صناعة استراتيجية تدر دخلاً قومياً، وتفتح أبواب التجارة البينية، وتبني جسور التواصل بين مصر وأشقائها في القارة.

فكرة القدم كأداة نفوذ سياسي وقوة ناعمة، تاريخياً، كان المنتخب المصري بصفته أكثر منتخبات القارة فوزاً بكأس الأمم الإفريقية (7 مرات) واجهة مصر الرياضية أمام العالم.

أما، الأهلي والزمالك فهما ليسا مجرد أندية محلية، بل "مؤسسات قارية"، حيث يحمل الأهلي لقب "نادي القرن" الإفريقي، ويمتلك أكثر من 150 مليون مشجع في إفريقيا، بينما يحظي الزمالك بإرث ودعم وحب تاريخي من معظم شعوب القارة الإفريقية.

والمباريات بين الأندية المصرية ونظيراتها الإفريقية تتحول إلى قنوات تواصل جماهيري، أحياناً أكثر تأثيراً من اللقاءات الدبلوماسية الرسمية، بل إن صورة مصر حين تفوز، وحين تستضيف، وحين تُدير بطولات قارية، تُرسّخ في وجدان الجماهير الأفريقية أن القاهرة مركز قيادة، وأن المصريين شركاء نجاح، مما يُعمّق الهوية الإفريقية-المصرية المشتركة.


سوق كرة القدم الإفريقية يُقدر بنحو 15 مليار دولار سنوياً، وفق تقارير الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (CAF)، ومصر منفردة تستحوذ حالياً على حوالي 20% من بث المباريات الإفريقية من خلال شركات الإنتاج والنقل، لكنها قادرة على مضاعفة هذه النسبة.

ورعاية الأندية الكبرى (الأهلي، الزمالك، بيراميدز) تتجاوز ملياري جنيه مصري سنوياً، مع فرص نمو مضاعفة حال الانفتاح على السوق الإفريقي.

أما منتخب مصر في كأس العالم 2018 فقد حقق نسب مشاهدة بلغت 100 مليون مشاهد إفريقي، مما يوضح القيمة التسويقية للمنتج المصري الرياضي.


كرة القدم كصناعة وطنية متكاملة اصبحت عنصر هام من عناصر الإقتصاد الإفريقي، فالرياضة لم تعد ترفيهاً بل قطاعاً اقتصادياً قائماً بذاته، يساهم في خلق فرص عمل، وتنمية الصادرات الخدمية، وتعزيز صورة مصر، فمدارس الكرة للناشئين وحدها هي عنصر تأثير، حيث يمكن لمصر أن تصدر خبراتها الفنية والإدارية عبر إنشاء أكاديميات في الدول الإفريقية، مستفيدة من شغف الشباب بالكرة.

كما أن شركات المقاولات الرياضية المصرية علامة فارقة في القارة، فمصر لديها شركات وطنية، أثبتت قدرتها على تنفيذ ملاعب ومنشآت كبرى في إفريقيا. وهذا القطاع يمكن أن يتحول إلى ذراع اقتصادي ودبلوماسي في آن واحد.

وفيما يتعلق بشركات البث والنقل التليفزيوني، أصبح الإعلام الرياضي المصري قادر على التوسع ليكون مزوداً رئيسياً للبث الفضائي في إفريقيا، مما يضمن دخلاً بالدولار وتوسعاً في النفوذ الثقافي، وربما يظهر بوضوح دور شركة المتحدة في معظم المجالات الرياضية والإستثمارية ذات الصلة بالرياضة وخاصة كرة القدم، كذلك شركات الرعاية والدعاية الدولية، حيث العلامات التجارية المصرية يمكن أن تدخل الأسواق الإفريقية عبر الرياضة، لتصبح كرة القدم قناة لتصدير منتجات وصناعات مصرية.


أما عن الأهلي والزمالك وبيراميدز وفرق مصرية أخري، هي منصات للنفوذ الإفريقي، فالأهلي عبر مشاركاته المتكررة في كأس العالم للأندية، بات جسراً بين القارة وإفريقيا والعالم.

أما الزمالك بعراقته وجماهيريته، يمثل واجهة شعبية يمكن استثمارها في بناء أكاديميات داخل القارة، وبيراميدز قد تحول إلي نموذج حديث لإدارة الأندية، قادر على تقديم تجربة احترافية تستلهمها الأندية الإفريقية.


كل نادٍ من هذه الأندية يمثل سفارة شعبية مصرية متنقلة، تفتح الأبواب للسياسة والاقتصاد والثقافة، إضافة الي بقية الأندية المصرية سواء الجماهيرية او حتي أندية الشركات.

كذلك المنتخب المصري وقد أصبح رمز التلاقي الجماهيري، فمنتخب مصر ليس مجرد فريق، بل رمز وطني جامع، يعكس وحدة الشعب والتفافه حول حلم مشترك، وحين يلعب في إفريقيا، تتحول مبارياته إلى حدث جماهيري إفريقي يتابعه الملايين، مشاركة مصر في تنظيم البطولات الإفريقية (كأس الأمم 2006، 2019) رسخت صورتها كدولة قادرة على إدارة الأحداث الكبرى بكفاءة عالمية، وبالتالي يمكن تطوير ذلك عبر إستراتيجية تسويق رياضي، تجعل كل مباراة للمنتخب المصري منصة لترويج السياحة، والتجارة، والاستثمار في مصر.

ونحو رؤية استراتيجية لصناعة القوة الناعمة الرياضي، ولكي تتحول كرة القدم إلى صناعة استراتيجية مصرية، لا بد من إستراتيجية وطنية للتسويق الرياضي ترتبط بالسياسة الخارجية المصرية في إفريقيا، والعمل علي إنشاء تحالف وطني للرياضة يضم الأندية، اتحاد الكرة، شركات الدعاية، الإعلام، والقطاع الخاص، وكذلك تحويل استادات مصر إلى مراكز إقليمية لاستضافة البطولات الإفريقية الكبرى، والاستثمار في المواهب الإفريقية عبر فتح الأكاديميات في القارة، بما يجعل مصر الوجهة الأولى لتصدير اللاعبين والمدربين، وتعزيز الشراكات بين الشركات المصرية ونظيراتها الإفريقية في مجالات الرعاية والبنية التحتية الرياضية.


إن كرة القدم ليست مجرد تسعين دقيقة على المستطيل الأخضر، بل هي استثمار في المستقبل، وصناعة للهوية، وأداة للنفوذ، ومصر، بما لديها من تاريخ وبنية تحتية ومؤسسات وأندية ومنتخبات، قادرة على تحويل الرياضة إلى رافعة قومية للأمن القومي الاقتصادي والسياسي والثقافي.

الكرة المصرية يمكنها أن تكون بوابة مصر الذهبية نحو إفريقيا، ليس فقط بالبطولات والألقاب، بل عبر صناعة متكاملة تربط الرياضة بالتنمية والتجارة والاستثمار، وتجعل من "قوة القدم" قوة ناعمة ذات أثر ممتد.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز