جهاد الطويل
وبعد واقعة فنزويلا وما تبعها من تحركات أمريكية أعادت ملف العقوبات والسيطرة على موارد الطاقة إلى الواجهة، بدا واضحًا أن واشنطن لا تنوي التخلي عن الدولار بسهولة، بل تسعى إلى إعادة فرضه كأداة نفوذ استراتيجي.
قرارات دونالد ترامب الأخيرة، التي أعادت تشديد اللهجة تجاه الدول التي تحاول الالتفاف على الدولار في تجارة النفط، حملت رسالة صريحة للأسواق: من يبتعد عن العملة الأمريكية، سيدفع الثمن سياسيًا واقتصاديًا.
فنزويلا، التي حاولت توسيع نطاق تعاملاتها خارج المنظومة الدولارية، تحولت مجددًا إلى نموذج ردع، حيث أعادت واشنطن استخدام العقوبات والضغط على قطاع الطاقة لإغلاق أي مسارات بديلة قد تهدد هيمنة الدولار في سوق النفط، هذه التحركات لم تكن معزولة، بل جاءت في توقيت حساس يتزامن مع تزايد الحديث عن عالم متعدد العملات.
في الجهة المقابلة، تقف الصين كلاعب أكثر هدوءًا ولكن أكثر خطورة على المدى الطويل. فبكين لا ترفع شعارات سياسية صاخبة، لكنها تواصل بناء شبكة حماية استراتيجية عبر تعزيز احتياطياتها من الذهب، في إشارة واضحة إلى رغبتها في تقليص الاعتماد على الدولار دون صدام مباشر.
الذهب، بالنسبة للصين، ليس مجرد أصل تحوطي، بل ورقة ضغط صامتة في معركة طويلة الأمد تهدف إلى منح اليوان مصداقية أكبر كعملة دولية، خاصة في ظل التوترات التجارية والتكنولوجية المستمرة مع واشنطن.
هنا تتقاطع السياسة بالنقد. فكلما لوّحت الولايات المتحدة باستخدام الدولار كسلاح عقوبات، ازدادت شهية الصين ودول أخرى داخل البريكس لبناء بدائل أكثر أمانًا، سواء عبر زيادة احتياطيات الذهب أو توسيع التجارة بالعملات المحلية. لكن المفارقة أن هذه المحاولات، بدل أن تضعف الدولار سريعًا، تدفع الأسواق العالمية في كثير من الأحيان إلى الاحتماء به، باعتباره الملاذ الأكثر سيولة في عالم مضطرب.
في عام 2026، يبدو المشهد أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. الدولار قد يتعرض لضغوط سعرية بسبب خفض الفائدة الأمريكية، لكنه يستعيد قوته السياسية عبر قرارات حاسمة تعيد ربط الطاقة والتجارة العالمية به.
في المقابل، تحاول عملات البريكس التقدم بخطوات محسوبة؛ اليوان يكتسب دعمًا غير مباشر من الذهب، بينما تظل باقي العملات رهينة لتقلبات اقتصاداتها المحلية.
وفى النهاية نستطيع القول إن ما نشهده اليوم ليس نهاية عصر الدولار، بل تحول الصراع من معركة أسعار إلى معركة نفوذ. ترامب يستخدم العقوبات والطاقة لتثبيت الهيمنة، والصين تستخدم الذهب والصبر الاستراتيجي لتقويضها تدريجيًا. وبين هذا وذاك، يقف العالم في 2026 أمام سؤال مفتوح: هل ينتصر السلاح السياسي للدولار، أم ينجح الذهب في إعادة كتابة قواعد اللعبة؟ الإجابة لم تُحسم بعد.. لكن المؤكد أن المواجهة دخلت أخطر فصولها.