ابتسام كامل
فاستقبلتني بحضنها الواسع، وقد اختارت الجلوس في أحد الأركان التي ساعدتني هي نفسها على أن أتصالح معها منذ زمان طويل، بينما أصّرت بعض الذكريات الباهتة على فرض نفسها بشجن ناعم، تخفيه ابتسامة صغيرة فوق وجهي، لم تصر أبدا على التمادي في تلك المشاعر البعيدة.
بادرتني قائلة: ايه الجمال ده؟ يا بختك، شكلك روحتي وأخدتي حمام وروقتي نفسك!. أنا بأه جاية من الجمعية رأسا!. قلت لها وأنا أجلس: قفلتيني!. فأطلقتْ ضحكتها العالية التي أحبها، دونما أسمع ما قالت، وقد أظهرت إضاءة المصباح الذي يعلو رأسينا، كم الإرهاق الذي أخفى إشراقة ملامحها الجميلة، وكم الشحوب الذي ساهم لون بلوڤرها الروز في تأكيده، وقد جمعت شعرها للخلف وحزمته بأستك عملي رفيع، فتراجع إحساسي السعيد بالمكان قليلا، وخاطري يكتب جملته في عقلي: السعادة تحتاج لرفقة لديها نفس الإحساس بالزمان والمكان حتى تكتمل، فقررت أن أحاول إسعاد صديقتي.
نساء الجنوب
بدأتْ تتناول طعامها الذي طلبتهُ، وبدأتُ أرتشفُ قهوتي في صمت.. قاطَعتهُ قائلة: لا وحياتك مش وقت سرحان وتأمل في صوت خوليو إجلاسياس وJe n'ai pas change خالص!، فابتسمتُ وأنا أسألها: مش ملاحظة إن مزاج الأغاني بيتغير أول ما بنيجي؟، ويبدأوا يذيعوا خوليو وميراي ماتيو ونانا موسكوري، موظفو المطعم دول متآمرون.
كان إحساسي بتوترها يتصاعد، وهي تنتظر كالعادة أن أبادر بسؤالها عن السبب، لتجد المدخل المناسب للفضفضة، ورغم أنني توقفت منذ زمان عن تدليل من حولي بالتوحد المرهق مع أرواحهم والاستغراق في دواخلهم، لكنني قررتُ إسعادها، فكسرتُ قراري لأجلها، وبدأتُ قراءة وجهها وتوقع مناطق ألم قلبها، فابتسمتْ وهي تسألني عن عمر صداقتنا، وسار بنا الحوار كعادته من الأمور العامة حتى الخاصة جدا.
أجبتُها باقتضاب عن حال الجمعية التي أعمل بها، فبدأتْ تقلب السلاطة التي تأكلها وهي تسألني عن تفاصيل مشكلتي التي مررتُ بها مع الإدارة، مستدركة: أصلي تقريبا أمٌر بنفس المرحلة، مجلس الإدارة بدأ يتدخل في تفاصيل العمل اليومي، متخطيا دورالإدارة التنفيذية، فقلتُ: تقصدي بمعرفة الإدارة التنفيذية اللي عاملة مش واخدة بالها، فأشارت بإصبعها وهي تهز رأسها موافقة على قولي: هو كده فعلا، فما أن أوضحتَ طبيعة القطاع الذي أديره، في الاجتماع الذي جمعني أنا وبعض فريق عملي برئيس المجلس وبعض الأعضاء، وكيف يستهدف عملنا رصد تطور الحركات النسوية، وخاصة نساء دول الجنوب، وإذا بأحد أعضاء المجلس يقرر التطوع بإشرافه علينا، فتعجبتُ قليلا لابتعاد تخصصه كطبيب بشري عن الدراسات والأبحاث، لكني ابتسمت ووافقت على التعاون.
في البداية لاحظتُ شغفه بقصص وصور النساء، وعدم اهتمامه بصلب الأبحاث والمادة المرفقة، وبدأ يناقشني في قضاياي الشخصية، وتاريخي العاطفي، ثم دخلنا على الجمال ومقاييس الجمال، مؤكدا أن البرازيليات هن الأجمل، وأن رمال البحر التي يتمرغن فيها تزيد جلدهن لمعانا ونعومة.. فأضحك وأنا أخبره أن المرأة المصرية هي ثالث أجمل نساء الأرض لكنها تحتاج البيئة المناسبة، فيسمعني بتركيز شديد يسعدني، ثم يدعني أذهب لعملي كل هذا ولم أكن منزعجة بعد، فقد اعتدتُ أن أقبل الناس، كما هم باختلافهم الطيب والشرير، فلا خوف طالما أنا واعية، صحيح أنه وسيم وجذاب وخطر .. لكني لست منهن.�
السكرتيرة الأنثى
سألتُها عن عمره فقالت أنه في بداية الخمسينات، وسريعا ما أضافت: (ومتجوز)!، ابتسمتٌ بسخرية مؤكدة: مش شرط، ده داء يا حبيبتي!، ضحكنا ثم استطردتْ: عندك حق، فذات مرة وكنت أقوم بترتيب المكتبة، فوجئت به يقف على الباب ويبادر بمساعدتي، فابتسمتُ وكلفته بمهمة محددة، وأنا سعيدة بتواضعه ورقة مشاعره، وقد دخلتُ في حوار مع نفسي، انشغلتُ فيه بلومها لرفض تدخل المجلس في الشئون الداخلية، فالواضح أنهم الأكثر تواضعا وانسانية و.. و..، وفجأة وجدتُ الرجل يقف أمامي مباشرة، ينظر في عيني بطريقة مريبة، فانزعجتُ جدا، وابتعدتُ سريعا، بينما اعتذر هو ثم مضى.
لم أستوعب الموقف، وثانية ما لمتُ نفسي لُسوء ظني وتفسير نظراته، وانتهى الموقف، صمتُّ قليلا وهي تنظر في عيني بانتظار رد فعلي، فقمتُ بالتربيت على يدها بابتسامة ساخرة، قائلة: لا بس انتي بتحبي تستعبطي!، الموقف واضح يا ماما!، وسريعا ما أجابتْ: يمكن!.
�
لم تلحظ صديقتي تغير أسلوب الرجل سريعا، فقد كان حريصا على الظهور وكأنه لم يحدث شيئا!، حتى بدأ يتغيب عن الالتزامات التي وضعها لنفسه لمساعدة لقطاع، مبررا ذلك بالعمل والسفر!، ثم فوجئتْ به يطالبها بتقديم تقاريرها إليه عن طريق سكرتيرة القطاع، فأدركتْ أن الموقف تحول لسخافة وابتذال، حيث يبدو أنه أخيرا طرق الباب الذي يريد!، فرغم عدم امتلاك سكرتيرتها لمقاييس الجمال المعتادة، لكنها أنثى .. تعرِفْ كيف تدير الرؤوس، وكيف توظف ما لديها من إمكانيات؟!�
من وراء الستارة
تستطرد: ذات يوم، اضطرتني ظروف العمل للعودة إلى مكتبي بعد مواعيد العمل، ما استلزم دخولي من باب خلفي، مارة بالمكتبة، فلمحتُ حركة من وراء الستارة التي لم تُخفِ كل التفاصيل!، وكانت المفاجأة.. الدكتور والسكرتيرة في موضع أقل ما يقال عنه (تحسيس)!، وبانفعال: لو كان حد غيري كان طلع تليفونه وصور الموقف! قلتْ لها: اطمني أكيد حد غيرك عملها، اللي زي دول مفضوحين، ومش بيهمهم!.
وسريعا ما أوقفتُ بيدي استطرادها، مقترحة أن أكمل لها الأحداث التي وقعت لها بعد ذلك، فتنفستْ قليلا، وهي تعود بمقعدها للوراء، لتسمع روايتي: مع الوقت تم تهميشك، ثم بدأوا يطلبون منكِ تقارير كثيرة عن عملك!، مع الانتقاد الدائم لكل ما تقومين به، واتهام مفاجئ بالبطء وعدم الإنجاز!، ولا مانع من استفزازك لدرجة أن تقومي أنتِ بطلب نقلك من القطاع، وربما تتركين الجمعية كلها!، فاعتدلتْ في جلستها وهي تسألني ماذا أشرب قبلما تطلب كابتشينو، ثم اقتربتْ بوجهها تحت المصباح، ونظرت في عيني مباشرة قائلة: ده بعينهم!، وانتي تبقي عبيطة لو عملتي اللي هم بيقودوكي ليه!.�
المضحك هو أن الرجل بدأ يقترح تحويل قطاع الأبحاث والدراسات لقطاع إنتاجي في زمن النت!، ومع الوقت بدأ يسحب اختصاصات صديقتي ومنحها للسكرتيرة التي تقبل (التحسيس)!، بينما تحول الأمر في الجمعية إلى مسخرة حقيقية، حيث يعرف الجميع سر تنحية صديقتي عن دورها، ويسخرون مما يجرى، لكنهم مضطرون للتعامل مع الموقف، لئلا يخسرون عملهم أيضا!، في ظل صمت تام من الإدارة التي تعرف ما يحدث!، إن لم تكن شريكة فيه!، ففي بعض الجمعيات، وبالأسلوب المخابراتي القديم.. لايزال يتم دفع النساء لترطيب الجفاف العاطفي ببعض رجال مجالس الإدارة الذين تخطوا السبعين عاما، ليس فقط لمعرفة ما يدور بأذهانهم، وإنما لإقناعهم بالرؤى التي تحقق مصالح الإدارة التنفيذية، التي تقوم بتكليف هؤلاء النساء للدور!!.
تجاوزتْ الساعة العاشرة ونحن على باب المطعم، وقد استعادتْ صديقتي روحها القوية بما اقترفناه من فضفضتنا الطويلة، فرأيتُ غمازتي ابتسامتها الجميلة واطمأنيتُ!، وقد انتبهت للأغنية التي يودعنا بها المطعم للمطرب انجيلبيرت هامبردينك، “Am I that easy to forget?”، �فاستوقفتها قليلا لتنصت معي، فجذبتني من يدي قائلة: يا أختي خلينا في بلاوي الجمعيات أحسن!.