محمد البياع
لكن، رغم هذا الانسحاب، لم تُغلق صفحة الصراع بالكامل.. فقد بقيت طابا، تلك البقعة الصغيرة في أقصى الشرق، موضع نزاع حدودي، بعدما رفضت إسرائيل الانسحاب منها، لتبدأ واحدة من أهم المعارك القانونية في التاريخ المصري الحديث.
لم تكن معركة طابا مجرد خلاف على أرض، بل كانت اختبارًا حقيقيًا لقوة وسيادة الدولة المصرية في الدفاع عن كل شبر من أرضها وحقوقها عبر القانون، وإثبات أصالتها التاريخية، وثباتها السياسي في مواجهة فرض الأمر الواقع.
في عالم اعتاد أن تُحسم فيه النزاعات بالقوة أو النفوذ، اختارت مصر طريقًا أكثر صعوبة… لكنه كان الأعمق أثرًا.. طريق القانون.
تعود جذور القضية إلى اتفاقية ترسيم الحدود عام 1906 بين مصر والدولة العثمانية، والتي مثّلت حجر الأساس القانوني، إذ حدّدت الحدود الشرقية بدقة، وأكدت أن طابا تقع داخل الإقليم المصري دون لبس.
غير أن الوثائق لم تتوقف عند هذا الحد، فقد دعمت مصر موقفها بمجموعة متكاملة من الأدلة، شكّلت في مجموعها بناءً قانونيًا راسخًا، يمكن تلخيصه في المحاور التالية..
1 - الاتفاقيات الدولية:
وعلى رأسها اتفاقية 1906 المصرية - العثمانية، والتي أرست الأساس القانوني للحدود.
2 - الخرائط الرسمية المعتمدة:
من مصادر بريطانية وعثمانية ودولية، والتي أظهرت بوضوح وقوع طابا داخل الحدود المصرية.
3 - علامات الحدود:
خاصة العلامتين 91 و92، اللتين ثبت وجودهما في مواضعهما الأصلية بوجود قواعدهما الخرسانية قبل الاحتلال.
4 - المراسلات التاريخية:
التي أكدت عبر عقود متتالية الاعتراف بخط الحدود ذاته.
5 - مظاهر السيادة الفعلية:
من خلال الإدارة المصرية للمنطقة قبل عام 1967، بما في ذلك وجود الشرطة والجمارك.
6 - الأدلة الحديثة:
مثل الصور الجوية التي دعمت تحديد مواقع العلامات الحدودية بدقة.
7 - تقارير الخبراء الدوليين:
التي قدمت تفسيرًا قانونيًا وجغرافيًا داعمًا للموقف المصري.
8 - الإطار القانوني الدولي:
خاصة اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام عام 1979، التي نصت على الانسحاب إلى الحدود الدولية.
وفي عام 1988، جاء الحكم الدولي ليحسم النزاع لصالح مصر، مؤكدًا صحة موقفها القانوني، لتعود طابا إلى السيادة المصرية.
لم تعد طابا بقوة السلاح، بل بقوة الحُجّة وثبات وصلابة المبدأ الوطني، وهو عدم التفريط في أي شبر من أرض مصر.
لم تكن مجرد أرض تُسترد، بل مبدأ يُرسّخ أن الحقوق لا تضيع ما دام وراءها من يطالب بها، وأن الوثيقة الصادقة قادرة على هزيمة الواقع مهما بدا صلبًا.
هكذا تحولت طابا من نقطة على الخريطة إلى درس خالد في السيادة، ومن نزاع حدودي إلى نموذج يُحتذى في احترام القانون الدولي.
إنها حكاية وطن آمن بعقيدة الولاء للوطن والأرض، وتمسك بالحق والحقيقة… فأحسن الدفاع عنها، فانتصر.. تحيا مصر.