د. مصطفى النقيب
ولا يُمكن اعتبار كل كسر أو حفرة تظهر في الطرق الجديدة دليلًا على وجود عيوب في التنفيذ، إذ قد تنتج بعض هذه الظواهر عن إجراءات فنية ضرورية، مثل أخذ العينات المعملية المعروفة بـ"Core Test" للتحقق من سمك الطبقات وجودة التنفيذ، أو إجراء اختبارات الدمك، أو تنفيذ أعمال المرافق المختلفة كالمياه والصرف الصحي والغاز والكهرباء والاتصالات. كما قد تنشأ بعض الهبوطات نتيجة ضعف أعمال الردم أو حدوث تسربات أسفل الطريق، فيما يمثل عدم إعادة الرصف وفق الأكواد الهندسية المعتمدة بعد انتهاء أعمال المرافق أحد الأسباب الرئيسية لتدهور حالة الطرق وظهور التشققات والحفر مع مرور الوقت.
وتستند هذه الدراسة إلى منهج مقارن وتحليلي يعتمد على مراجعة الأكواد الهندسية والمواصفات القياسية المصرية والدولية، وتحليل أفضل الممارسات المطبقة في عدد من الدول المتقدمة، مع الاستفادة من مبادئ إدارة الجودة والسلامة والصحة المهنية والهندسة المرورية وإدارة الأصول، بهدف الوصول إلى توصيات عملية قابلة للتطبيق في البيئة المصرية.
وتكمن أهمية هذا الطرح في ربط الجوانب الهندسية والفنية والتنظيمية والتشغيلية في إطار متكامل يسهم في رفع مستويات السلامة المرورية وتحسين جودة الأرصفة وخدمة المشاة، إلى جانب تقليل تكاليف الصيانة على المدى الطويل وزيادة العمر الافتراضي للطرق وتعظيم كفاءة الإنفاق الحكومي ودعم أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030.
ويُعد تصميم الطرق أحد أهم التخصصات الهندسية التي تتطلب تكامل العديد من العلوم، وفي مقدمتها هندسة النقل والهندسة الجيوتقنية وهندسة المواد والهندسة الإنشائية والهندسة المرورية، وذلك بهدف إنشاء طرق تتمتع بالأمان والكفاءة والاستدامة والجدوى الاقتصادية. كما يهدف التصميم الهندسي إلى إنشاء طريق قادر على تحمل الأحمال المرورية المتوقعة طوال عمره الافتراضي، مع الحفاظ على مستويات مرتفعة من الراحة والأمان لمستخدميه وتقليل تكاليف التشغيل والصيانة مستقبلاً.
ويحتل تصريف مياه الأمطار مكانة محورية ضمن عناصر نجاح أي مشروع للطرق، سواء في الشوارع الرئيسية أو الفرعية، حيث تشمل منظومة التصريف الميول العرضية والطولية وغرف التصريف والبالوعات والمصارف الجانبية، بما يضمن عدم تراكم المياه بصورة تؤثر على سلامة الحركة المرورية أو تقلل من العمر الافتراضي للرصف، إذ تُعد المياه من أبرز العوامل التي تؤدي إلى تدهور الطرق إذا لم تتم إدارتها بالشكل السليم.
وفي المقابل، تبرز مجموعة من السلوكيات المجتمعية التي تؤثر سلبًا على جودة الطرق والأرصفة والمظهر الحضاري للمدن، ومن بينها قيام بعض المواطنين بوضع حواجز أو قطع حديدية أو سلاسل أمام منازلهم لمنع انتظار السيارات وتخصيص أجزاء من الطريق العام لاستخدامهم الشخصي، رغم أن الشوارع والأرصفة ملكية عامة يجب أن يتمتع بها الجميع وفقًا للقانون.
كما يفرض احترام حق المارة وآداب الطريق ضرورة مواجهة بعض الممارسات التي تتسبب في إزعاج السكان أو تعطل الحركة الطبيعية داخل الأحياء، ومنها التجمعات الليلية الممتدة في نواصي الشوارع أو الجلوس لفترات طويلة داخل السيارات. وفي الوقت نفسه، لا تتعلق الأزمة بالمقاهي وحدها، رغم حقها المشروع في ممارسة نشاطها التجاري، وإنما تظهر المشكلة عندما تمتد الطاولات والكراسي إلى الأرصفة أو تستولي على أجزاء من حارات المرور، بما يحد من حق المشاة والسيارات في استخدام الطريق بصورة طبيعية.
ولا يقتصر الأمر على المقاهي فقط، بل يمتد إلى بعض المحال التجارية والمخابز والأفران والسوبر ماركت وغيرها من الأنشطة التي تستغل الأرصفة لصالحها، الأمر الذي يحرم المواطنين من حقهم في السير الآمن ويؤثر سلبًا على الشكل الحضاري للمدن. ومن هنا، فإن الحفاظ على جودة الطرق والأرصفة لا يعتمد فقط على كفاءة التنفيذ الهندسي أو برامج الصيانة الدورية، وإنما يحتاج أيضًا إلى وعي مجتمعي يحترم الملكية العامة ويلتزم بالقانون، باعتبار أن الطريق والرصيف حق مشترك ومسؤولية جماعية تقع على عاتق الدولة والمواطن في آن واحد.