البث المباشر الراديو 9090
رامي زهدي
حدث هام جدير بالتحليل والدراسة، وهو تسلم سفينتين جديدتين للدولة المصرية، حيث تبحر السفينة «وادي النيل» في اتجاه مصر، فيما تستعد السفينة «وادي القمر» للإبحار، بعد مراسم تسلم شركة الملاحة الوطنية للسفينتين من ترسانة هانتونج الصينية، بحضور الفريق مهندس كامل الوزير، نائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية الصناعية، وزير الصناعة والنقل، والقراءة الأكثر عمقًا لهذا المشهد تكشف أن المسألة لا تتعلق فقط بإضافة سفينتين إلى أسطول مصري قائم، وإنما تتصل بملف أكثر أهمية يتعلق بمستقبل الاقتصاد المصري نفسه.. حيث امتلاك القدرة على الحركة التجارية، وليس الاكتفاء بامتلاك القدرة على الإنتاج.

عندما تتحول السفينة المصرية من وسيلة نقل إلى أداة نفوذ اقتصادي وتجاري في أفريقيا..

الدولة التي تنتج ولا تستطيع نقل إنتاجها بكفاءة، والدولة التي تستورد ولا تملك قدرًا كافيًا من أدوات التحكم في سلاسل إمدادها، تظل في جزء من قرارها الاقتصادي رهينة لتقلبات سوق النقل والخدمات البحرية والتأمين والممرات التجارية الدولية.

من هنا تصبح السفينة في الاقتصاد الحديث أكثر من وسيلة تنقل البضائع من ميناء إلى آخر، إنها جزء من منظومة السيادة الاقتصادية، وأداة من أدوات تأمين سلاسل الإمداد، وعنصر مؤثر في تكلفة التجارة، ومكون من مكونات القدرة على الوصول إلى الأسواق في التوقيت والتكلفة المناسبين.

لذلك فإن استعادة قوة الأسطول التجاري المصري يجب ألا تُقرأ باعتبارها عملية إحلال وتجديد لأصول بحرية فقط، وإنما باعتبارها إعادة بناء تدريجية لجزء من القدرة الوطنية على الحركة الاقتصادية، في عالم لم تعد فيه التجارة منفصلة عن الجغرافيا السياسية، ولم تعد فيه الممرات البحرية مجرد خطوط على الخرائط، بل تحولت إلى مساحات تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع اعتبارات الأمن والسيادة والنفوذ.

السفينتان الجديدتان من طراز KAMSARMAX المخصص لسفن الصب الجاف، وبحمولة تصل إلى نحو 82 ألف طن للسفينة الواحدة، بما يعني قدرة نقل إجمالية تقارب 164 ألف طن في الرحلة الواحدة، وهذه ليست إضافة رقمية بسيطة، خصوصًا إذا وضعت في سياق برنامج إعادة بناء الأسطول التجاري الوطني.

شركة الملاحة الوطنية تمتلك حاليًا 14 سفينة، مع تعاقدات على أربع سفن جديدة، وخطط للتعاقد على سفينتين إضافيتين، بما يستهدف الوصول بأسطول الشركة إلى 20 سفينة بحلول عام 2030، وعلى مستوى الشركات التابعة لوزارة النقل، تستهدف الدولة استعادة قوة الأسطول التجاري الوطني والوصول إلى 40 سفينة بحلول 2030، مع رفع قدرته على نقل ملايين الأطنان من البضائع المتنوعة سنويًا.

هنا يجب أن ننتقل من سؤال تقليدي هو: كم سفينة تمتلك مصر؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا تستطيع هذه السفن أن تفعل للاقتصاد المصري؟

الإجابة تبدأ من طبيعة سفن الصب الجاف نفسها، فهي تخدم حركة سلع أساسية واستراتيجية تشمل الحبوب، وخامات الحديد، والأسمدة، والمواد الخام، وغيرها من البضائع السائبة التي ترتبط مباشرة بالصناعة والغذاء والإنشاءات والطاقة.

بالتالي فإن زيادة القدرة الوطنية على هذا النوع من النقل لا تعني فقط زيادة القدرة على نقل الصادرات، بل تعني أيضًا توسيع هامش الحركة في استيراد السلع الاستراتيجية، وتأمين تدفقات المواد الخام، وتقليل بعض مستويات التعرض لتقلبات السوق الدولية، وامتلاك قدر أكبر من المرونة عندما تتعرض خطوط التجارة العالمية للاضطراب.

هذا تحديدًا هو أحد أهم دروس السنوات الأخيرة، فالحرب الروسية الأوكرانية، واضطرابات البحر الأسود، وأزمات البحر الأحمر وباب المندب، وارتفاع مخاطر التأمين، وتغيير مسارات السفن، وزيادة مدد الرحلات، كلها أثبتت أن سعر السلعة لا يتحدد عند بوابة المصنع فقط، ولا عند لحظة إتمام الصفقة، بل يتشكل أيضًا في الطريق بين المنتج والمستهلك.

قد تكون السلعة متوافرة، وقد يكون الطلب قائمًا، وقد يكون العقد التجاري مكتمل الأركان، لكن اضطراب الطريق البحري قادر وحده على رفع التكلفة، وتأخير التسليم، وإضعاف القدرة التنافسية.

هنا تحديدًا تظهر قيمة الأسطول الوطني، وامتلاك مصر أسطولًا تجاريًا أكبر وأحدث لا يعني الاستغناء عن الخطوط الملاحية العالمية، فهذا تصور غير واقعي في ظل حجم التجارة الدولية، وإنما يعني امتلاك حصة وطنية مؤثرة من القدرة على النقل، تمنح الاقتصاد المصري هامشًا إضافيًا للمناورة وإدارة المخاطر.

هذا الهامش له قيمة اقتصادية مباشرة، فكل طن تنقله سفينة وطنية لا يعني فقط انتقال سلعة من نقطة إلى أخرى، وإنما يعني أيضًا أن جزءًا من القيمة المضافة المرتبطة بالنقل البحري يمكن أن يبقى داخل الاقتصاد المصري، من أجور النقل والتشغيل، إلى خدمات التموين والصيانة والتأمين والتمويل والتوكيلات الملاحية، وصولًا إلى الخدمات اللوجستية والنقل الداخلي والتخزين والتخليص وإعادة التصدير.

هنا كذلك يجب أن نتوقف عند فكرة كثيرًا ما يتم اختزالها في النقاش العام: السفينة ليست أصلًا منفردًا، بل مركز حركة اقتصادية، فالسفينة تحرك حولها شبكة من الخدمات والأعمال والوظائف والاستثمارات، ولذلك فإن تطوير الأسطول التجاري يجب أن ينظر إليه باعتباره استثمارًا في منظومة بحرية ولوجستية متكاملة، وليس مجرد شراء سفن جديدة.

إذا كانت مصر قد استثمرت خلال السنوات الأخيرة بصورة واسعة في تطوير الموانئ، وتعميق الأرصفة، وإنشاء المحطات والمناطق اللوجستية وربطها بشبكات الطرق والسكك الحديدية، فإن الخطوة الطبيعية التالية هي بناء التكامل بين الميناء والسفينة والسكك الحديدية والمنطقة الصناعية والمخازن ومراكز التوزيع، لأن الميناء الحديث لا يصنع مركزًا لوجستيًا بمفرده، كما أن السفينة الحديثة لا تصنع شبكة تجارية بمفردها، بينما القوة الحقيقية تظهر عندما تتحول هذه العناصر إلى منظومة واحدة، وهذا تحديدًا هو جوهر الرؤية التي تحتاجها مصر في المرحلة المقبلة: الانتقال من إدارة أصول منفردة إلى إدارة شبكة اقتصادية متكاملة.

الميناء يجب أن يرتبط بالسكة الحديد، والسكة الحديد يجب أن تصل إلى منطقة الإنتاج، ومنطقة الإنتاج يجب أن تكون مرتبطة بمركز تخزين وتوزيع، وهذه المنظومة كلها يجب أن تجد في السفينة وسيلة الحركة البحرية المنتظمة، وصولًا إلى السوق المستهدف، وعند هذه النقطة فقط تتحول البنية التحتية إلى قوة اقتصادية، وتصبح أفريقيا تحديدًا واحدة من أهم ساحات اختبار هذه الرؤية.

التجارة المصرية الأفريقية لم تعد ملفًا دبلوماسيًا أو عنوانًا للعلاقات السياسية، وإنما أصبحت مساحة اقتصادية تتطلب بنية نقل قادرة على تحويل الرغبة في التعاون إلى حركة فعلية للسلع والاستثمارات.

وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر ودول الاتحاد الأفريقي نحو 9.6 مليار دولار خلال عام 2025، مقابل 9.9 مليار دولار في 2024، بينما بلغت الصادرات المصرية إلى دول الاتحاد نحو 7.6 مليار دولار، مقابل نحو ملياري دولار واردات مصرية من دول القارة.

قد تبدو هذه الأرقام في حد ذاتها مؤشرًا على حضور تجاري مصري مهم، لكنها في قراءة استراتيجية تكشف أيضًا عن مساحة ضخمة لم تستثمر بعد.

قارة تضم 55 دولة، وسوقًا يتجاوز عدد سكانه 1.4 مليار نسمة، واقتصادات تنمو بدرجات متفاوتة، واحتياجات هائلة في الغذاء والطاقة والبنية الأساسية والصناعة والدواء والخدمات، لا يمكن أن تكون حصيلة التجارة المصرية معها أقل من إمكاناتها بكثير.

بدلًا من أن نسأل فقط: كيف نصدر أكثر إلى أفريقيا؟، يجب أن نسأل: كيف نبني شبكة مصرية أفريقية قادرة على تحريك التجارة والاستثمار والإنتاج بصورة منتظمة ومستدامة؟

الفارق بين السؤالين هو الفارق بين سياسة تصدير محدودة وسياسة نفوذ اقتصادي، فالتصدير يعني إرسال سلعة إلى سوق، أما بناء المسار التجاري فيعني امتلاك منظومة تبدأ من المصنع، وتمر بالمخزن والميناء والسفينة، ثم تصل إلى الميناء الأفريقي وشبكة التوزيع والمستهلك النهائي، والأول عملية تجارية، أما الثاني بنية نفوذ اقتصادي، وهنا يمكن أن تصبح «وادي النيل» و«وادي القمر» جزءًا من قصة أكبر بكثير من حدود الشركة المالكة لهما.

مصر تمتلك موقعًا جغرافيًا نادرًا ومتفردًا: البحر المتوسط شمالًا، والبحر الأحمر شرقًا، وقناة السويس في قلب أحد أهم طرق التجارة العالمية، وموانئ متعددة على جانبي البلاد، وشبكة طرق وسكك حديدية يجري تطويرها، بينما تمتلك أفريقيا أسواقًا ضخمة وموارد طبيعية وفرصًا استثمارية واحتياجات متزايدة للاستيراد.

المشكلة في كثير من الأحيان هي تكلفة الوصول إلى السوق، وهنا تصبح اللوجستيات نفسها جزءًا من القدرة التنافسية للمنتج المصري، فالمنتج المصري قد يكون جيدًا وسعره تنافسيًا، لكن إذا كانت تكلفة نقله إلى السوق الأفريقية مرتفعة أو زمن وصوله غير منتظم، فإن ميزة السعر والجودة يمكن أن تتآكل قبل وصول السلعة إلى المستهلك، لذلك تبرز أهمية أن تتحول مصر من مفهوم «التصدير إلى أفريقيا» إلى مفهوم «بناء ممرات التجارة المصرية الأفريقية»، والممر التجاري ليس طريقًا فقط، وإنما منظومة متصلة من الموانئ والخدمات البحرية والطرق والسكك الحديدية والمناطق اللوجستية ومراكز التخزين والتمويل والتأمين والجمارك والتوزيع.

بهذا المعنى، فإن تطوير الأسطول التجاري يمكن أن يصبح جزءًا من البنية التحتية الفعلية لتنفيذ منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية. لأن الاتفاقية تفتح الأسواق، لكنها لا توفر السفن، وتخفض الحواجز الجمركية، لكنها لا تخفض وحدها تكلفة النقل، وتمنح المنتج فرصة الوصول إلى 55 سوقًا، لكنها لا تبني له الطريق إلى تلك الأسواق، ولهذا فإن حرية التجارة تحتاج إلى حرية حركة، وحرية الحركة تحتاج إلى بنية لوجستية، وهذه هي الحلقة التي يجب أن تحتل موقعًا أكبر في التفكير المصري تجاه أفريقيا.

المنافسة على الأسواق الأفريقية لن تكون فقط بين المنتج المصري والصيني والهندي والتركي وغيرهم، بل ستكون أيضًا بين شبكات الإمداد التي تقف خلف هذه المنتجات.

الدولة التي تصل إلى السوق أسرع وبتكلفة أقل وبانتظام أعلى، تمتلك في النهاية ميزة تنافسية حتى لو لم يكن منتجها الأرخص في المصنع، ويمكن أن تتحول السفن المصرية إلى أدوات لربط دوائر تجارية أفريقية متعددة، البحر الأحمر والقرن الأفريقي، شرق أفريقيا والمحيط الهندي، شمال أفريقيا والبحر المتوسط، ومع تطور شبكات النقل البري والسككي، يمكن التفكير في ربط هذه المسارات البحرية بممرات داخلية تصل إلى دول لا تمتلك منافذ بحرية، بحيث تصبح الموانئ المصرية بوابات لجزء من التجارة الأفريقية الداخلية، وهذا هو المعنى الحقيقي لفكرة «الممر التجاري المصري الأفريقي»، ولا ينبغي أن ننظر إلى أفريقيا باعتبارها سوقًا واحدة، لأن القارة ليست سوقًا واحدة من الناحية اللوجستية ولا الاقتصادية، فهناك شرق أفريقيا، والقرن الأفريقي، ومنطقة البحيرات العظمى، والجنوب الأفريقي، وغرب أفريقيا، وشمال القارة، ولكل منطقة موانئها واحتياجاتها وخرائطها التجارية، ومن ثم فإن الرؤية المصرية الأكثر كفاءة هي بناء دوائر لوجستية متخصصة، وليس خطًا بحريًا واحدًا يحمل طموحًا أكبر من قدرته التشغيلية، والأهم أن طبيعة الصادرات المصرية نفسها تؤكد الحاجة إلى هذه الشبكة، مثلًا في عام 2025 تصدرت الآلات والأجهزة الكهربائية قائمة أهم الصادرات المصرية إلى دول الاتحاد الأفريقي بنحو 633.6 مليون دولار، تلتها اللدائن ومصنوعاتها بنحو 544.4 مليون دولار، ثم الحديد والصلب بنحو 528.3 مليون دولار، والمحضرات الغذائية بنحو 517.8 مليون دولار، والخضر والفاكهة بنحو 491.4 مليون دولار، والملح والأحجار والأسمنت بنحو 446.4 مليون دولار، وهذه ليست تجارة عابرة بالتأكيد، لكنها سلع تحتاج إلى نقل منتظم، وقدرات تخزين، وسلاسل إمداد موثوقة، وتكلفة لوجستية تنافسية، كما أن أفريقيا ليست فقط سوقًا للصادرات المصرية، بل مصدر محتمل لسلع وخامات ومنتجات تحتاجها الصناعة المصرية، والواردات المصرية من دول الاتحاد الأفريقي بلغت نحو ملياري دولار في 2025، بما يكشف أيضًا عن فرصة لبناء حركة تجارية في الاتجاهين، بدلًا من النظر إلى السفن باعتبارها وسيلة لتصدير المنتجات المصرية فقط، ويمكن للأسطول الوطني أن يلعب دورًا أكثر ذكاءً: نقل الصادرات، واستيراد الخامات والسلع، وتحقيق قدر أكبر من توازن الحركة البحرية، وتقليل الرحلات الفارغة، وتعظيم كفاءة تشغيل السفينة، وهذه نقطة اقتصادية شديدة الأهمية، فالسفينة لا تحقق قيمتها من عدد مرات إبحارها فقط، وإنما من جودة تخطيط رحلاتها، وحجم حمولتها، وانتظام تشغيلها، وتوازن حركتها في الاتجاهين، وقدرتها على الحصول على شحنات مربحة ومستمرة، ومن ثم فإن نجاح برنامج الأسطول التجاري لن يقاس بعدد السفن التي ترفع العلم المصري فقط، وإنما بمؤشرات أكثر عمقًا: حجم البضائع التي تنقلها، العائد لكل رحلة، نسبة التشغيل، نسبة الرحلات المحملة، حصة القطاع الخاص من العملاء، الأسواق التي تصل إليها، والتكلفة التي توفرها للاقتصاد المصري.

هنا تظهر أهمية ما تحقق في شركة الملاحة الوطنية من زيادة دور القطاع الخاص في الشحنات التي تنقلها الشركة، وهي إشارة ينبغي البناء عليها بتوسيع قاعدة العملاء وربط الأسطول باحتياجات المصدرين والمستوردين المصريين، وليس فقط بالاحتياجات الحكومية، والأسطول الوطني الناجح لا ينبغي أن يتحول إلى عبء على الموازنة، وإنما إلى منصة تجارية تحقق عائدًا، وتخدم الاقتصاد، وتفتح أسواقًا، وتخلق قيمة مضافة، وتدعم القطاع الخاص.

بصفة عامة، مصر تحتاج إلى خريطة واضحة للممرات البحرية المصرية الأفريقية، تحدد الموانئ ذات الأولوية، والسلع ذات الأولوية، وحجم الطلب، ومراكز الإنتاج، ومراكز الاستهلاك، وتكاليف النقل، ونظم التمويل والتأمين، وربط هذه المنظومة بالمناطق اللوجستية والموانئ المصرية والأفريقية.

كذلك يمكن التفكير في نماذج جديدة للشراكة مع الدول الأفريقية، لا تقتصر على تشغيل الخطوط الملاحية، وإنما تمتد إلى إنشاء مراكز لوجستية ومخازن مشتركة ومناطق إعادة تصدير، وربط الموانئ البحرية بالنقل البري داخل الدول الأفريقية، وربما تطوير شركات ملاحية ولوجستية مشتركة في بعض الأسواق ذات الأولوية.

هنا يتحول التعاون الاقتصادي من تبادل بضائع إلى بناء بنية مصالح، وهذه النقلة هي التي تحتاجها العلاقات المصرية الأفريقية في المرحلة المقبلة، فنحن لا نريد فقط أن نصدر إلى أفريقيا، بل نريد أن نستثمر فيها، وأن نربطها بموانئنا، وأن نربط مصانعنا بمصادر خاماتها، وأن نجعل الشركات المصرية جزءًا من سلاسل القيمة الأفريقية، وأن نستخدم الموقع المصري كمنصة لحركة التجارة بين أفريقيا والعالم، وأن تصبح قناة السويس والموانئ المصرية والأسطول التجاري وشبكات الطرق والسكك الحديدية والمناطق الصناعية واللوجستية أجزاء من معادلة واحدة، هي معادلة عنوانها: مصر بوابة حركة، لا مجرد بوابة عبور، وهذه نقطة فارقة، لأن الدولة التي تمر عبرها التجارة تحقق عائدًا، أما الدولة التي تدير التجارة وتوفر خدماتها وتمولها وتنقلها وتخزنها وتعيد توزيعها، فتخلق اقتصادًا كاملًا حول حركة التجارة، وهذا هو المستوى الذي يجب أن تطمح إليه مصر، أن تتحول جغرافيا الموقع إلى اقتصاد الموقع، وأن تتحول قناة السويس من مجرد ممر دولي إلى مركز لخدمات التجارة واللوجستيات، وأن تتحول الموانئ من نقاط وصول ومغادرة إلى منصات توزيع وإعادة تصدير، وأن يتحول الأسطول التجاري من وسيلة نقل إلى أداة لتعظيم القيمة المضافة والنفوذ الاقتصادي، وأن يتحول الحضور المصري في أفريقيا من علاقات سياسية قوية إلى شبكة مصالح اقتصادية أكثر عمقًا واستدامة.

من هنا فإن «وادي النيل» و«وادي القمر» يمكن أن تكونا رمزًا لمرحلة مختلفة في التفكير المصري تجاه البحر وأفريقيا.

الأسماء تحمل رمزية مصرية واضحة، لكن القيمة الحقيقية ليست في الاسم، وإنما في المسار الذي ستقطعه السفن، والحمولات التي ستنقلها، والموانئ التي ستصل إليها، والأسواق التي ستفتحها، والعلاقات التجارية التي يمكن أن تنشأ حولها، والدول لا تصنع قوتها الاقتصادية بعدد المصانع فقط، وإنما بقدرتها على تحريك إنتاجها، وتأمين مدخلاتها، والوصول إلى أسواقها، والتحكم النسبي في سلاسل إمدادها.

في القرن الحادي والعشرين، لم تعد السيادة الاقتصادية تعني فقط أن تنتج الدولة ما تحتاجه، بل أن تمتلك أيضًا قدرًا من القدرة على نقل ما تنتجه، واستقبال ما تحتاجه، وحماية طرق تجارتها، وتنويع ممراتها، وتقليل تعرضها لصدمات الخارج.

هنا تحديدًا يصبح تطوير الأسطول التجاري المصري جزءًا من الأمن الاقتصادي الوطني، ويصبح البحر الأحمر ليس مساحة تفصل مصر عن شرق أفريقيا، وإنما مساحة يمكن أن تصل بينهما، وتصبح الموانئ المصرية ليس فقط بوابات للخروج والدخول، وإنما منصات لبناء تجارة أفريقية أوسع، وتصبح السفن المصرية ليست فقط ناقلات للبضائع، وإنما أدوات للربط الاقتصادي، وتصبح أفريقيا ليست مجرد سوق للصادرات، وإنما امتدادًا استثماريًا وتجاريًا ولوجستيًا لمصر.

من هذه الزاوية، فإن إبحار «وادي النيل» واستعداد «وادي القمر» للإبحار ليسا مجرد خبر في قطاع النقل البحري، بل جزء من مشهد أوسع يعكس محاولة مصر استعادة وزنها الطبيعي في اقتصاد البحر، وبناء قدرة وطنية أكبر على الحركة التجارية، وتوظيف موقعها الجغرافي في صناعة الثروة، وتعميق حضورها الاقتصادي في أفريقيا والمنطقة العربية والشرق أوسطية والبحر المتوسط والأحمر.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز