محمود الروبي
ولم يكن هذا الطرح بالنسبة لي مجرد ملاحظة عادية على صياغة تشريعية، وإنما كان سؤالًا يتعلق بالبنية القانونية للنص ذاته:
ماذا يحدث لأموال الوارث التي ثبت أنها متحصلة من الجريمة وآلت إليه من المتهم؟
فقد أجاز المشرع في المادة 144 للمحكمة أن تشمل في حكم المنع من التصرف أو الإدارة أموال ورثة المتهم، متى توافرت الأدلة الكافية على أنها متحصلة من الجريمة وآلت إليهم من المتهم.
وهذا يعني أن المشرع كان واعيًا منذ مرحلة التحفظ بإمكان انتقال المال المتحصل من الجريمة إلى الورثة، ومن ثم أجاز إخضاع هذا المال لتدبير تحفظي يحول دون التصرف فيه.
لكن الإشكال لا يبدأ هنا. الإشكال الحقيقي يبدأ عندما تنتهي الدعوى إلى حكم نهائي. فالمادة 147 نظمت تنفيذ الحكم برد الأشياء محل الجريمة أو قيمتها، وكذلك التعويض، في أموال زوج المتهم وأولاده القُصَّر، لكنها لم تذكر الورثة.
وهنا يصبح السؤال أكثر دقة من مجرد البحث في كيفية تنفيذ الحكم. فالحكم القضائي – متى صدر صحيحًا وفي حدود السلطة التي منحها القانون للمحكمة – يكون هو سند تنفيذه.
ومن ثم فإن السؤال ليس: هل نحتاج إلى نص في المادة 147 حتى ننفذ حكم الرد في مال الوارث؟ وإنما السؤال الذي يسبق ذلك: هل تملك المحكمة أصلًا أن تقضي بالرد في مال الوارث، في الحالة التي يكون فيها المتهم حيًا؟ وهنا تحديدًا تظهر الفجوة التشريعية المحتملة.
فالتحفظ إجراء مؤقت، غايته المحافظة على المال وضمان عدم تهريبه أو التصرف فيه إلى حين الفصل في الدعوى. أما الرد فهو أثر قضائي نهائي.
وبالتالي لا يكفي – في تقديري – أن يكون المشرع قد أجاز التحفظ على مال الوارث في المادة 144 لكي نستنتج من ذلك، بطريق اللزوم، أن المحكمة تملك القضاء النهائي بالرد فيه. فالسلطة في اتخاذ إجراء تحفظي ليست بالضرورة هي ذاتها السلطة في ترتيب أثر نهائي على ملكية الغير.
ويزداد الأمر أهمية عندما ننتقل إلى المادة 148. فالمشرع ذكر الورثة فيها صراحة، عندما نظم حالة انقضاء الدعوى الجنائية بوفاة المتهم، فنص على نفاذ الحكم في أموال الورثة والموصى لهم وكل من أفاد فائدة جدية من الجريمة، في حدود ما استفاد.
وهنا يفرض النص علينا سؤالًا لا يمكن تجاوزه: إذا كان المشرع قد ذكر الورثة صراحة في المادة 148، فلماذا لم يذكرهم في المادة 147؟ هل كان ذلك مجرد اختلاف في نطاق كل نص؟ أم أن المشرع قصد أن يجعل امتداد أثر الرد إلى أموال الورثة مقصورًا على الحالة التي نظمها صراحة في المادة 148؟
لا أعتقد أن الإجابة يمكن أن تكون بالتبسيط الذي يجعل مجرد التحفظ على مال الوارث سندًا كافيًا للحكم النهائي بالرد فيه. وفي المقابل، لا أرى أن مجرد سكوت المادة 147 عن الورثة يكفي وحده للقول باستبعادهم بصورة قاطعة.
فنحن أمام نصوص متجاورة، لكل منها نطاقه وغايته، ويجب أن تُقرأ مجتمعة، لا منفصلة. فالوارث لا يُسأل عن جريمة مورثه لمجرد كونه وارثًا. لكن الأمر يختلف عندما يثبت أن المال الذي آل إليه هو ذاته مال متحصل من الجريمة.
وهنا تنتقل المسألة من دائرة المسؤولية الجنائية عن الفعل إلى دائرة أخرى، هي المصير القانوني للمال المتحصل من الجريمة بعد انتقاله إلى الغير.
وهي دائرة شديدة الحساسية؛ لأن حماية المال المتحصل من الجريمة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للمساس بملكية الغير بغير سند قانوني واضح، كما أن انتقال المال إلى الغير لا ينبغي – في الوقت ذاته – أن يصبح وسيلة لتحصين المال غير المشروع من الرد. ومن هذه المنطقة الدقيقة تحديدًا نشأ التساؤل.
ولعل أهمية هذا الطرح لا تتوقف عند كونه رأيًا قانونيًا يُطرح في سياق مناقشة تشريع جديد، فقد أعاد القاضي والمفكر المستشار بهاء المري طرح الإشكال ذاته في منشور له، بما يؤكد أن المسألة ليست مجرد ملاحظة فردية على النص، وإنما إشكال يمكن أن يجد صداه في التطبيق وفي الفقه القضائي.
وهذا في ذاته أمر جدير بالتوقف. فالتشريع يجب أن يقدم للنصوص إجابات واضحة عند التطبيق على كل سؤال قد يثور. وإذا كان قانون الإجراءات الجنائية من أخطر القوانين اتصالًا بحريات الأفراد وأموالهم وضمانات المحاكمة، فإن الدقة في صياغة مواضع امتداد الأثر المالي للحكم الجنائي إلى غير المتهم تصبح أمرًا لا يحتمل كثيرًا من المساحات الرمادية.
وليس هذا الإشكال هو الوحيد الذي قد يستدعي إعادة القراءة. فالقانون الجديد في نظري يتضمن عددًا من الأحكام التي تحتاج مراجعة قبل دخولها حيز التطبيق الكامل إلى اختبار تشريعي وقضائي هادئ، وإلى مراجعة تكشف ما قد تفرزه النصوص من تعارض أو فراغ أو غموض عند التطبيق العملي.
والدعوة إلى إعادة النظر هنا لا تعني الانتقاص من قيمة التشريع، ولا التشكيك في الجهد الذي بُذل في إعداده ومناقشته. على العكس. فالتشريع القوي هو الذي يملك شجاعة مراجعة نفسه قبل أن تضطره ساحات القضاء إلى ذلك.
وقد تكون بعض الإشكالات قابلة للحل بالتفسير القضائي، وقد يحتاج بعضها الآخر إلى تدخل تشريعي صريح، وقد تكشف الممارسة عن أن بعض ما يبدو اليوم فجوة ليس كذلك في التطبيق. لكن ترك المسألة دون حسم، خاصة في موضوع يتعلق بأموال أشخاص من غير المتهم، قد يفتح الباب أمام تعدد التأويلات في مسألة كان الأولى أن يكون النص فيها أكثر وضوحًا.
ومن هنا أعود إلى السؤال الذي طرحته أثناء مناقشات القانون، وأراه اليوم أكثر إلحاحًا: هل يحتاج قانون الإجراءات الجنائية الجديد إلى إعادة نظر تشريعية في بعض مواضعه قبل بداية فصل تشريعي جديد؟ ليس بهدف إعادة فتح القانون من أوله، ولا بهدف تعطيل العمل به، وإنما بهدف مراجعة ما قد تكشف عنه المناقشات والتطبيقات الأولية من نقاط تحتاج إلى ضبط أو توضيح.
وربما تكون بداية فصل تشريعي جديد فرصة مناسبة لهذه المراجعة. وفي النهاية، فإن السؤال ليس فقط: ماذا قال المشرع؟ وإنما أيضًا: هل قال ما أراد أن يقوله بالوضوح الكافي الذي يمنع اختلاف التطبيق؟