محمد البياع
فالطيران المدني يرتبط مباشرة بالسياحة والتجارة والاستثمار، وبقدرة الدولة على أن تكون مركزًا إقليميًا لحركة الركاب والبضائع، ولذلك فإن تطويره أصبح أحد الملفات التي حظيت باهتمام واضح في إطار مشروعات الدولة خلال عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي.
وقد انعكس ذلك في تحديث البنية التحتية للمطارات، ورفع الطاقة الاستيعابية، وتطوير الأنظمة التشغيلية، والتوسع في الأسطول، إلى جانب السعي لتحويل مصر إلى مركز محوري للنقل الجوي في المنطقة. وقد جرى هذا العام استعراض مشروع مبنى الركاب رقم 4 بمطار القاهرة بهدف زيادة القدرة الاستيعابية وتحسين كفاءة التشغيل والخدمة.
هنا تحديدًا يجب أن نتوقف عند مصر للطيران.
فالشركة ليست مجرد ناقل تجاري ينافس شركات الطيران العالمية في بيع التذاكر؛ إنها الناقل الوطني، وتحمل اسم مصر وشعارها في عشرات المطارات حول العالم.
ولهذا فإن قوة مصر للطيران ليست مسألة اقتصادية فقط، وإنما لها دلالة سياسية واستراتيجية أيضًا.
وجود شركة طيران وطنية قوية يعني أن مصر تمتلك ذراعًا مدنيًا يصلها مباشرة بالعالم، ويسهم في دعم السياحة والاستثمار والعلاقات الاقتصادية والثقافية، ويمنحها قدرة أكبر على الحركة والربط بين القاهرة ومراكز التجارة العالمية.
ومن هنا يمكن فهم أهمية أن تستعيد مصر للطيران موقعها بين شركات الطيران العالمية، لا باعتباره مجرد ترتيب في قائمة، وإنما باعتباره انعكاسًا لصورة الدولة وقدرتها على المنافسة في صناعة عالمية شديدة التعقيد.
والمؤشر الأحدث يستحق التوقف، فوفقًا لنتائج تصنيف Skytrax لعام 2026، تقدمت مصر للطيران إلى المركز 46 عالميًا ودخلت قائمة أفضل 50 شركة طيران في العالم، كما حصلت على جائزة أكثر شركات الطيران تطورًا وتحسنًا على مستوى العالم، إلى جانب المركز الأول أفريقيًا في فئة أفضل أطقم الضيافة الجوية، والمركز العشرين عالميًا في الفئة نفسها.
والأهم أن هذا التحسن جاء بعد سنوات، وهو ما يجعل المسألة أقرب إلى عملية استعادة تدريجية للمكانة وليس مجرد تحسن عابر في ترتيب دولي.
كما أن الدولة أعلنت خطة لزيادة أسطول مصر للطيران بما يدعم فتح خطوط جديدة وزيادة الترددات ورفع القدرة التشغيلية.
وتبقى الربحية.. الاختبار الأهم، فالنجاح الحقيقي لأي شركة طيران لا يقاس بالجوائز وحدها.
فالاختبار الأصعب هو: هل تستطيع الشركة أن تحقق خدمة عالمية مع نموذج اقتصادي مستدام؟
وهنا تأتي تصريحات الكابتن طيار أحمد عادل، رئيس الشركة القابضة لمصر للطيران، بأن الشركة عادت إلى تحقيق الربحية بشكل كبير.
وهذه نقطة مهمة للغاية، لأن الوصول إلى الربحية هو الذي يحول عملية التطوير من مجرد إنفاق استثماري إلى نموذج اقتصادي قادر على الاستمرار.
وفي الوقت نفسه، فإن طبيعة صناعة الطيران تجعل الأمر أكثر تعقيدًا؛ إذ أوضح رئيس الشركة أن أغلب تكاليف تشغيل الطائرات يتم بالعملة الصعبة، بما يشمل أجزاء أساسية من التشغيل والصيانة والمعدات وقطع الغيار.
ومن ثم فإن قدرة الشركة على تحقيق الربحية في ظل هذه المعادلة تمثل تحديًا إداريًا وتشغيليًا حقيقيًا.
اذ تنقل مصر للطيران نحو 11.4 مليون راكب سنويًا تقريبا، وهو رقم يجعل تطوير تجربة المسافر مسألة استراتيجية، وليس مجرد تحسينات شكلية.
ولهذا تتجه الشركة إلى التوسع في التحول الرقمي، وتطوير التطبيقات الإلكترونية والخدمات المقدمة للمسافر، إلى جانب مشروعات أكثر تطورًا، من بينها مشروع المراقبة الطبية عن بُعد الذي يتيح التواصل بين الطبيب في مستشفى مصر للطيران والراكب على متن الطائرة عند حدوث حالة صحية طارئة.
وهذه التفاصيل الصغيرة في ظاهرها هي التي تصنع الفارق الحقيقي بين شركة طيران تؤدي وظيفتها وشركة طيران تقدم تجربة سفر متكاملة.
وكلمة حق في وزير الطيران المدني الدكتور سامح الحفني، وكذلك كابتن طيار أحمد عادل، رئيس الشركة القابضة لمصر للطيران، فما نشهده من تطور في قطاع الطيران يعكس جهدًا إداريًا واعيًا، مدعومًا بخبرة وإلمام حقيقي بتفاصيل صناعة الطيران، ورؤية لاستكمال مسيرة التطوير وتعزيز قدرة مصر للطيران على استعادة مكانتها التنافسية إقليميًا ودوليًا.
ويبقى السؤال .. ماذا نحتاج في المرحلة القادمة؟
أعتقد أن التحدي لم يعد في إثبات أن مصر للطيران تستطيع العودة إلى المنافسة؛ فالنتائج الأخيرة قدمت مؤشرًا واضحًا على ذلك.
التحدي الآن هو تثبيت النجاح وتحويله إلى مؤسسة تنافسية مستدامة.
والمرحلة المقبلة تحتاج إلى خمسة مسارات متوازية:
أولًا: الأسطول:
الاستمرار في تحديث الطائرات وزيادة العدد بما يتناسب مع الطلب الحقيقي، مع التركيز على الكفاءة الاقتصادية في استهلاك الوقود والصيانة.
ثانيًا: الخدمة:
المنافسة العالمية لم تعد في الطائرة وحدها، وإنما في كل رحلة العميل: الحجز، التطبيق، المطار، الأمتعة، الالتزام بالمواعيد، الضيافة، وسرعة حل المشكلات.
ثالثًا: الرقمنة:
التحول الرقمي يجب ألا يكون تطبيقًا إلكترونيًا فقط، وإنما منظومة كاملة تجعل معظم رحلة المسافر قابلة للإدارة إلكترونيًا.
رابعًا: الشبكة الدولية:
مصر لا تحتاج فقط إلى طائرات أكثر، وإنما إلى خطوط أكثر ذكاءً تربط القاهرة والمدن المصرية بمراكز التجارة والسياحة في أفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا، مع الاستفادة من الموقع الجغرافي لمصر.
خامسًا: الإنسان:
الطائرة الحديثة يمكن شراؤها، والتكنولوجيا يمكن استيرادها، أما الكفاءة البشرية فهي التي تصنع المؤسسة. ولذلك فإن الاستثمار في الطيارين وأطقم الضيافة والمهندسين والعاملين في المطارات والإدارة يجب أن يظل في قلب عملية التطوير.
في النهاية، فإن قصة الطيران المصري خلال عهد الرئيس السيسي لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها قصة مطارات وطائرات.
إنها جزء من قصة أكبر عنوانها استعادة القدرة التنافسية للدولة المصرية في قطاعات ترتبط مباشرة بالعالم.
ومصر للطيران تحديدًا تحمل مسؤولية مضاعفة؛ فهي شركة تجارية مطالبة بتحقيق الربح، وفي الوقت نفسه ناقل وطني يحمل اسم مصر إلى العالم.
والقفز إلى المركز 46 عالميًا، والفوز بجائزة أكثر شركات الطيران تطورًا في العالم، والوصول إلى المركز العشرين عالميًا في أطقم الضيافة، كلها مؤشرات مهمة؛ لكنها في الوقت ذاته ترفع سقف المسؤولية.
فالنجاح الحقيقي ليس أن نصل إلى قائمة أفضل 50، وإنما أن تصبح المنافسة العالمية هي الوضع الطبيعي لمصر للطيران.
وهنا تبدأ المرحلة الأصعب..
أن يتحول التطوير إلى ثقافة، والربحية إلى استدامة، والتكنولوجيا إلى خدمة، ومصر للطيران من ناقل وطني ناجح إلى لاعب دولي مؤثر يحمل اسم مصر بثقة إلى العالم.