ابتسام كامل
كنتُ طفلة صغيرة.. حينما كان المطرب الفرنسى الجزائرى (أنريكو ماسياس) يتغنى بهذه الكلمات، فى الوقت الذى كانت تتردد حولى الحكايات التى يرويها الأهل وأصدقاء أسرتى عن المعاناة والواقع المرير الذى يلاقيه الأقباط فى الصعيد، دون تدخل من الحكومة، التى ترى وتسمع وتعرف من يقتل، ومن يسرق، ومن يختطف، ومن يغتصب، ومن يجبر البنات على تغيير الدين.... ولا تتحرك! فتأخذنى كلمات الأغنية لعالمها البعيد.. وقلبى يدق رجفة وخوفًا، خشية أن تكون كلماتها هى ذلك المجهول الذى سنحياه!
ثم ذهبت الطفولة، وبقيت آخر ذكرياتها فى مخيلتى لملامح طفلة صامتة، وحيدة، لا تنام؛ ظنا منها أن استيقاظها سيعطل مجىء الليل الذى تخشى حلوله فتتحقق توقعات أصدقاء الأسرة، الذين أخبروا والدى أن المتطرفين سيضعون علامات على بيوت الأقباط، ليذبحوهم ليلا.. إن لم يتركوا دينهم، لأنهم كفرة!
وقتها، استطاعت حنكة والدى أن تزيل خوفى، وتهدئ قلبى الصغير الذى كان يتساءل: لماذا أترك المسيح؟ فهو طيب.. ومبتسم فى وجهى، ودائما ما تتحقق وعوده معى؟!
الحلم
ذهبَت الطفولة.. ولكنها أصرت على ترك ملمح من بقاياها، يعود بين الحين والحين لوقتنا هذا فى صورة حلم، أرانى فيه هذه الطلفة الصغيرة، بين أفراد أسرتى، ونحن نسير جميعا فى شبه طابور، كما نحن بملابس البيت، وأمى تحمل أخى الصغير، وتطلب منا ألا نبتعد عنها. فأتأمل وجهها وشعرها، تحت لهيب الشمس الحارقة، وأتساءل فى الحلم: لماذا تبدو أمى خائفة هكذا؟ وهى التى دائما ما تبدد مخاوفى وقلقى! كيف تخرج بملابس النوم، وهى المتأنقة دائما؟ كيف تخرج دونما تتعطر وتهذب شعرها؟ أو تلون تلك الخصلة البيضاء التى تخيفنى لأنها تعنى عجزها واقتراب موتها! لماذا نترك بيوتنا؟ وأشياءنا؟ أين لعبى وألوانى؟ أين أبى وإخوتى؟ فأستيقظ حينما تجتاح غمار مياه كثيرة طابورنا فى صمت خانق، فيتبدد الطابور.. وأضيعُ من أمى وأبى وإخوتى.
كانت أمى تحتضننى حينما أروى لها هذا الحلم، وهى تخبرنى أننى بالتأكيد لم أُتلُ صلاتى الصغيرة قبل النوم، فأصابنى هذا الكابوس السخيف! أو تضحك وهى تضربنى أسفل ظهرى، قائلة إننى بالتأكيد كنت عريانة وأنا نائمة! وفجأة وجدتُها تشجعنى على قراءة قصص شهرزاد للأطفال، بدلا من الجرائد التى كانت قراءتها فى تلك السن دليل تفوقى، وذكائى! وقد سمعت والدى يخبرها أن الأخبار التى تحملها الجرائد هى التى تزيد مخاوفى وقلقى!
أبناء الشيطان
ذهبت الطفولة منذ زمان، لكن الحلم عاد يراودنى: أصلى فى الطابق الثانى بالكنيسة، وإذا ببعض الرجال الملثمين يظهرون ببنادقهم وخناجرهم، يضربون المصلين ويطعنونا فى صدورنا وظهورنا، وهم يأخذون الأطفال الصغار مقيدين فى طابور طويل، بين صراخ الأمهات، اللواتى تقدمن أنفسهن للموت بدلا من أطفالهن، فيسرع الرجال الملثمون بذبحهن، وركل جثثهن، رافعين سيوفهم بتهليل وتكبير يشجعهم على تحمل ما يفعلون! يفجرون كنيستى التى تتهاوى جدرانها فتختلط دماء المصلين بكل مقدساتها، فأتأمل وأنا أموت فى الحلم، كيف يتهاوى قنديلها المضىء بالشارع فوق شجرة الظل التى صار عمرها من عمر رحيل أمى! فأستيقظ خائفة، أبحث عن حضنها، وابتسامة أبى الهادئة.. فلا أجد سوى الفراغ! فقد ذهبت الطفولة.. وذهبت أيامها وجمالها!
وقد اعتادت وسائل الإعلام، منذ زمان، ألا تنقطع بما تجلبه من أخبار مصحوبة بصور وفيديوهات، أقل ما يقال أنها مزقت ستر فطرة نفس الإنسان الأقرب للخير والحب والجمال، وتركتها عرضة لتأثيرات وحشية سافكى الدماء الذين يذبحون البشر كالبهائم على خلفية دينهم، ثم يلعبون الكرة برءوسهم، أو يعبثون بجثثهم، حتى يصلوا للأكباد فيأكلوها! مثلما يفعل جند داعش فى الشيعة والمسيحيين بسوريا والعراق!
فأعرف أن الحلم تأجل كثيرا ولكنه حقيقة! أراه يتحقق فيهم، وهم يسيرون فى طابور طويل مطرودين من أوطانهم، يلقون نظرة الوداع على بيوتهم وأشجارهم وسياراتهم وسمائهم وطرقهم، وذكرياتهم، فيعلو صوت البكاء حولهم ويختلط بأصوات ضحكات بعيدة قادمة من أيام السرور والاستقرار التى صارت (بعييييييدة) فى عمق القلوب الحزينة التى صار لا يملؤها سوى الذعر والرهبة.
يحملون معهم ما يستطيعون حمله، فى خطوات مهرولة سريعة يسبقون بها الزمن، خوفا من ظهور الراية السوداء المخيفة، ورجالها الملثمين الذين أمهلوهم مهلة ليقرروا بعدها خياراتهم: فالإسلام، أو دفع الجزية، أو السيف، أو الطرد من الوطن! تلك القصص التى كانوا يقومون بالقراءة عن حدوثها مع غيرهم، دونما يعيرون الأمر اهتماما، فهم يعيشون بين جيرانهم وأهلهم.. ويحتمون فيهم: عَلىّ، ومحمد، وفاطمة، وإسراء.. تجمعهم الذكريات.. ضحكات وأحزان، هموم وأفراح! فلن تستطيع تلك القوى الإرهابية أن تمسسهم، خاصة أنها تعيث شرها فى القرى البعيدة الصغيرة النائية أو الحدودية.
نون... النصارى!
ولا أظن أن هناك كلمة باللغة يمكنها أن تصف إحساس المقهور الذى يضطر لترك بيته ووطنه لمجرد اختلاف دينه! ولمزيد من محو الهوية والقتل المعنوى لمن اختار الرحيل.. يتم تمزيق أوراقهم الشخصية على حدود المدن التى ارتضى أهلها استقبالهم، بعدما قام بعض الجيران بالإبلاغ عنهم كنصارى، فقامت داعش بوضع حرف (نون) على بيوتهم، لتبدأ رحلة المذلة، أو الذبح، أو التهجير! فأتخيل، ماذا لو كنت مكانهم؟ ما الذى سآخذه وما الذى سأتركه من بيتى وأشيائى الصغيرة؟ ومستلزمات حياتى اليومية.. قبلما تصبح غنائم فى أيدى المجاهدين الداعشيين، فى مسيرة الذل والتعيير والمهانة، والطرد من الوطن!
يسيرون فى طابور طويل، تحت شمس يوليو المحرقة، يموت من يموت، ومن يحيا يموت ألف مرة، حينما يتفكرون فى مصيرهم المجهول، بغد قد لا يأتى، فى واقعهم الجديد، وكيف سيواجهونه إن عاشوا؟ غير مصدقين عودة أزمنة الدم، وعصور الاستشهاد!
تأكل قلوبهم الحسرة واستنكار خيانة بعض الجيران والأصدقاء، التى اقتادتهم للحظة التى يعيشونها، وهم الذين لم يقدموا سوى كل الحب والإخلاص للجميع! فيدركون أن الرعب هو الذى أجبر جيرانهم على الغدر بهم، فأبلغوا داعش عن مواقعهم وبيوتهم كمسيحيين! أو لعل بعضهم من أتباع شيوخ التطرف الذين يرددون على مسامعهم ليل نهار أن الخلافة قادمة، وأن الشيعة والمسيحيين كفرة، وبقاء الكفر يزيل النعمة من البلاد، وقد أمر الله بقتل الكافرين! فأبلغوا عنهم برضا ويقين! وقد عرضت إحدى القنوات الفضائية شهادة إحدى هؤلاء المهجرات قسريا من الموصل، وكم الألم الذى شعرت به أثناء تهجيرها حينما علمت أن جارها الذى كانت تدرسه فى المدرسة وتعامله معاملة حسن الجوار، هو من أبلغ عنها وكان يشرف على إجلائها من منزلها ونهب أموالها وممتلكاتها، لصالح داعش! وأخرى لم يستطع الداعشيون اقتلاع خاتمها الذهب من إصبعها، فبكل دم بارد قطعوه ليحصلوا على الذهب، ولتذهب هى إلى الجحيم فى ظل غياب التمريض والتطبيب! وقصص أخرى مريعة تفوح برائحة الخيانة والدم والترويع تملأ صفحات المواقع الاجتماعية.
الصمت المريع
فهل يصب هذا فى صالح الوطن العربى؟ الوطن الذى يتأذى ويتلوى لقتل أبناء غزة رغم أنهم يموتون برغبة قادتهم الحمساويين! وفى الوقت نفسه لا صوت واحد يندد بمقتل ما لا يقل عن 170 ألف مسيحى ماتوا فى سوريا مؤخرا، منهم 1700 فى الأسبوع الأخير من يوليو، و700 فى الأيام الماضية، كما يؤكد بعض الإعلاميين..
لم نسمع للأزهر صوتا يشجب ويندد بقتل وتهجير مسيحيى العراق وسوريا على أيدى داعش! ولا القيادة السياسية فى مصر والعالم العربى! والأخطر أن الجامعة العربية نفسها صارت عمياء، صماء، بكماء، لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم، وكل آمالنا ألا يعنى صمت الجميع الموافقة على جرائم داعش ضد المسيحيين.. باسم الدين!
بينما يفسر د. عماد جاد، بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، صمت الأمم المتحدة والعالم الغربى على تلك الجرائم، بأنه نتيجة قرار تلك القوى منذ القرن الخامس بالتعامل مع مسيحيى الشرق باعتبارهم ضمن المعسكر الآخر فى صراع الحضارات وفق مفهوم (صمويل هنتنجتون)، منذ الحروب الصليبية، التى وقفت فيها المسيحية الشرقية مع الإسلام فى مواجهة أطماع الغرب التى تسربلت برداء الدين، من أجل نهب خيرات الشرق! واستمر ذلك الموقف حتى تجلى مع أقباط مصر فى العصر الحديث، حينما دعموا السادات واحتضنوه، ومنحوه جائزة نوبل للسلام مكافأة له على توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل، دونما يتوقفوا أمام جريمة تشجيعه الجماعات المتشددة التى تحمل السلاح ضد المصريين، وبالأخص الأقباط! ومن المعروف أن واشنطن نفسها هى التى زرعت البذرة الأولى فى تنظيم القاعدة، مع السعودية ومصر وباكستان، واستخدمته فى أفغانستان، ثم تركته هناك بعد رحيل السوڤييت. ثم كان الاحتلال الأمريكى البريطانى للعراق وما تسببه فى معاناة العراقيين وخاصة المسيحيين، مثلما كانت معاداة الغرب للنظام السورى سببا فى الحرب الأهلية التى كلفت الشعب السورى ثمنا باهظا وفى المقدمة المسيحيون.
الخليفة الجديد
فكيف نرى مستقبل العالم العربى فى ظل ما نعيشه من إرهاب دينى يتم دفع المنطقة إليه دفعا بتغذية الشعور الدينى لدى بسطاء الشعوب، حتى صاروا يقتلون أنفسهم بأيديهم!
أما السؤال الأخطر فهو: كيف سيواجه شيوخ السلف أمثال الشيخ العريفى، ومحمد حسان، والحوينى وغيرهم إعلان دولة الخلافة فى سوريا والعراق؟ حيث يتوجب عليهم الإذعان والخضوع لخليفة المسلمين الجديد المزعوم أبى بكر البغدادى!! وقد تحققت أخيرا أحلامهم وأثمرت خطبهم وعظاتهم فى بسطاء المسلمين، فتحول بعضهم للجهاد إثرها؛ بغية استعادة دولة الخلافة، وظهور خليفة للمسلمين!
كيف سيواجه هؤلاء الشيوخ خليفتهم الذين أسهموا فى وجوده؟ وهل سيعترفون به أميرا للمؤمنين.. كما هو محتم عليهم؟ وماذا سيفعلون أمام فتواه وتهديداته بهدم الكعبة، مثلا، وعدم جواز صلاة العيد؟ بل كيف سيخضعون ويذعنون لأوامره؟ حيث يجب عليهم الآن أن يسلموا له القيادة، وينضموا تحت لوائه، فلا يعلو صوت سواه، ولا خطبة ولا فتوى إلا بأمره!
ومن ثم، كيف سيكون حال ملوك ورؤساء الدول الذين شجعوا الخطاب الوهابى السلفى المتشدد على أرضهم وقنواتهم؟ لعلهم هم أيضا مطالبون أن يتنازلوا عن عروشهم ورئاساتهم، ويقدموا فروض الطاعة للخليفة المزعوم، ليثبتوا ولاءهم للدين، ولحلم الخلافة الموعود!
فيا أيها العرب.. صمتكم على ما يجرى لأبناء العروبة، وسكان الوطن الأصليين المسيحيين لا يعز الدين، بقدر ما يشوه واقعنا ويحول مفهوم جهاد الإنسان من مقاومة شروره لمقاومة البشر المختلفين معه، بداية بالدين.. وهلم جرا! إذ وضع هؤلاء فى قلوبهم أن دماء الذبح تسر قلب الله، وهو الرحمن الرحيم، الذى لو أراد الخلاص من الكفار لأرسل جيوش ملائكته ليقتلوهم ولا يجعل قتل الأخ أخاه عادة تذهب إنسانيته وتجعله أقرب للحيوانات!