أحمد عبد الحافظ
فالعدالة الاجتماعية التى كانت سببا مباشرا لاندلاع ثورة يناير، غابت وطال انتظارها فى ظل أزمات الطاقة وانخفاض مستوى الدخول والمرور والسكن والغلاء لتقوم موجتها الثانية فى 30 يونيو، مع ذلك مازال السؤال مطروحا "ماذا بعد أن تركنا الميدان؟ ماذا كان يفترض بنا أن نفعل؟.." ماذا لو استطاعت ثورة يناير الضغط على الحكومة والنظام بشكل عام لإصلاح وزارات الزراعة والإسكان والبترول والتموين والسياحة والمالية؟، تلك الوزارات التي تتحكم بشكل مباشر في توزيع الموارد والثروات، والتي كانت سببا في ظهور مفاجئ لرجال أعمال وأصحاب نفوذ، في مقابل تآكل طبقات اجتماعية كاملة، في صراع على الثروات والموارد المصرية، بعيدا عن أي معايير تضمن توزيع عادل وسليم للموارد والإيرادات.
فإصلاح سياسات وزارة الزراعة كفيلة بأن تؤثر بشكل مباشر في أسعار الخضار والفاكهة، وفى دخول الفلاحين بما يشعرهم بانتعاش اقتصادي سريع، تفعيل تشريعات بسيطة في قطاع السكن إلى جانب قوانين جريئة، كفيلة بإبهار المواطنين بتوافر الشقق في السوق العقارية، بأسعار تناسب جميع الشرائح واحتياجاتهم، فأغلب القطاعات الخدمية تحتاج إلى إعادة تنظيم بشكل أفضل، للقضاء على الاحتكارات وتوزيع أفضل للسلع والخدمات بما يناسب حاجة المواطنين.
لا تندهش حين تعلم أن قضايا الفساد التي تملأ أروقة المحاكم وتستهلك سنوات فى نظرها هي قضايا خرجت من الوزارات التي تتحكم في الموارد والثروات، وليست -كما كان يتوقع أغلبنا- من الحقائب الوزارية التي تسمى سيادية، فإصلاح وزارات الزراعة والإسكان والزراعة والسياحة، والضغط من أجل تغيير شامل فى سياساتهم، أهم بكثير في المرحلة الحالية من الانشغال بقضايا سياسية أخرى، هذه المعركة المؤجلة كانت من وجهة نظري أهم من معارك الانتخابات المتتالية وحالة الانقسام التى نعيشها الآن.
لو انشغلت القوى السياسية ورجال أعمالها الذين حشدوا ملايين الجنيهات للمعارك الانتخابية المتتالية بالضغط من أجل إصلاح اقتصادي ومالي، وتعديل سياسات الوزارات الخدمية، وحققت إنجازا واحدا فى أى قضية تخص التعليم أو الصحة أو السكن أو السياسات الزراعية، لتصبح تجربة ناجحة تُحيى أملاً جديدا فى الإصلاح والتغيير، وتوجه حركة الشارع لإصلاح منظومة توزيع الثروات والدخول، وأن تتحمل هذه الحركة السياسية مسؤولياتها فى مشاركة الحكومة باقتراح حلول عملية وبسيطة للقضايا النوعية الصغيرة.
كان من الممكن أن نتجنب الأسئلة الكونية "مدنية/ شرعية؟"، "برلمان أولا/ دستور أولا؟"، وكان من الممكن أن يختلف منطق الحديث السياسى فى الشارع ويتسع نطاقه كما كان فى الـ18 يوما الأولى لثورة يناير، ليبدأ من مشكلات النظافة فى الشوارع والمرور حتى قضايا السكن والفساد، وأن تتطور مجموعات ضاغطة أكثر تحديدا من حيث النطاق الجغرافى ودائرة الاهتمام تنتج لنا قيادات شبابية ورؤساء أحزاب يظهرون على شاشة الفضائيات ليتحدثوا عن تجارب صغيرة ناجحة استطاعت بحلول عملية بسيطة وملهمة أن تحسن حياة ذلك المواطن غير المسييّس الجالس أمام التلفزيون فى انتظار مستقبل أفضل.