محمد عبدالجواد
فلم أكن قد أحضرت شيئا علميا لعرضه على الأساتذة وأعضاء هيئة التدريس، وإذ برئيس الحلقة ينادينى بالاسم الثلاثي، لا مفر!
ماذا أصنع؟ لم أعد خطةً وليس معى حتى قلم!
مضيت دقائق كأنها ساعات، الكل يترقب ويسنّ سكاكينه الأكاديمية، نظرت فى ساعتى، فالتقطت الفكرة، نعم التقطتها، واعتذرت عن ضياع الخطة منى فى طريق السفر من المنصورة للقاهرة، بسبب الزحام والتكدس، أحكمت تمثيل الدور؛ فقال أحد الأساتذة ممن شابت رؤوسهم فى جلد طلبة الدراسات العليا أمثالنا: "اتفضل يا بنى.. مش لازم ورق، اعرض خطتك، خلينا نشوف أنت دارس فكرتك كويس ولا لأ"، تبسم الأساتذة إعجابًا برأيه، بينما هو يمسح على رأسه الصلعاء، مستشعرا بعظمته كأنما أحرز هدفًا.
رسالة الماجستير حول ظاهرة الشحاذة فى مصر، عنوان الأطروحة "البروفيل النفسى للشحاذين فى مصر، دراسة ميدانية".
فانفرط�الجميع فى السخرية والضحك، وكأننى ألقيت نكتة بايخة، ارتبكت قليلًا، ثم قلت بصوت حازم: "آفة مجتمعنا الاستخفاف، ومن رحم أشياء تافهة ولدت أعظم الأفكار والنظريات"، ثم ضربت مثلا بـ"داروين"، الذى يعرفه الأغلبية فقط بالتطور و"الإنسان أصله قرد" –رغم أن النظرية ليست كذلك- بحثه حول "الديدان"، المسمى "تشكيل القوالب الخُضر عن طريق أعمال الديدان"، هذه الكائنات الهشة التى تشكل التربة الخصبة وطبقات الأرض، وسر الحياة كـ"فلاحين مجهولين"، وبتعبير داروين: "أدت دورا أكثر أهمية فى تاريخ العالم".
صمت الجميع وكأنهم تشمعوا فى أماكنهم كتماثيل علمية، ثم غادرت الحلقة ولم أرجع مرة أخرى.
لم أكن ساخطا أو تعسا لما حدث، "أبسلوتلي"، وحسبى حوار قديم ممتد فى طريقى لمحطة رمسيس أتسلى به.
-إيه رأيك فى رسالة جامعية للقضاء على الشحاذة المحلية.
-هايل، سيمنحونك الدرجة العلمية بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، وسيحضر المناقشة كوكبة من الشحاذين المحترفين فى الشوارع، ووسائل المواصلات علهم يحصلون على بعض الأطعمة التى توزع والمعلبات.
-سأختارهم بنفسى واحدا واحدا، العينة الجيدة نتائجها مضمونة، تكفى خروجة حقيقية واحدة معك، لنحصل على عينة جيدة ممثلة.
-شكلك اصطبحت اليوم بوجه متسولة قديرة فى عربة المترو ضحكت عليك.
-حقا، كانت متسولة منتقبة ركبت معنا من الملك الصالح، تستعطف الناس بحديثها عن زوجها مريض الكلى، وبناتها السبع، وظروفها المتعسرة، "ساعدونى يا ولاد الحلال ولو بتمن باكو مناديل"، أعطيتها جنيها بيد وأنا أرقع بالأخرى ضميري، تتبعتها مصادفة عندما نزلت فى رمسيس، خرجتْ من المحطة وجلستْ بنت الحرام أسفل "تاندة" خشبية فى الطريق عند مسجد الفتح بين رفيقين لها فى المهنة، رافعة نقابها ساحبة نفسا عميقا من سيجارة أحدهما ضاحكة فى رقاعة وسفه.
-أليس هذا كافيا كى تنعدم ثقتنا فى كل هؤلاء؟! الرجل الأعمى الأبكم، الذى كان يزحف على قدميه ويتحسس أكتاف النساء، وربما صدورهن، مطلقًا صوتًا غريبا أشبه بالتأوه ثم كلمة واحدة مفهومة "الله"، اكتشفوا أنه مهرج من الطراز الرفيع وممثل مولع بالنساء ليس به آفة، يتسول جنسيًا لا ماديًا.
-بل دافعا لنا يا عزيزتى، أن نشفق عليهم باعتبارهم مرضى نفسيين، وأشخاصًا غير أسوياء.
كنت أجلس مع أحد أصدقائى على مقهى شعبية بالعتبة، وخطوات الشحاذين تمر علينا لا تنقطع، من يبيع المناديل أو قطع اللبان، ومن تشحذ بطفلها الرضيع، وصغار يمنحون الجالسين "كم بوسة"، ليثيروا عواطفهم وجيوبهم، وسيدة تشحذ بوضع الفول السودانى على "ترابيزات" رواد المقهى، رجل يتدلى من أسفل عباءته المرقعة خرطوم القسطرة، وكيس البول فى يد صبيه، عجوز يتعكز على عصاه ويده المضمرة المتسخة ممتدة للأمام، شاب فى الثلاثين ينفخ شعلة النار بالكيروسين، ليبدو مثل تنينٍ جائع.
وفجأة قطعت حديثنا وصوت كركرة الشيشة امرأةٌ حسناء فى زى أسود نظيف تطلب المساعدة، غمزت لصديقى متأملًا جسدها الملفوف كشجرة بلوط، بما مغزاه: "تلك الشابة فارهة الجسد وإن كانت غير محتاجة مدعاة للرحمة والحنان"؛ فقال لى بالإشارة: "الحرة لا تأكل بجسدها"، عندما يتسول الفرد القادر على العمل فهو أولى بالعناية والشفقة من غير القادر، دراسة مقارنة، وعندما تتسول المرأة الجميلة أو حتى متوسطة الجمال؛ فهنا نضع ألف علامة استفهام أمامها وأمام من يمد لها يد عون، دراسة حالة، وللتسول العاطفى شؤون عجيبة، مجال رائع للبحث العلمى.
وغمزت لها، فضحكنا معا بصوت واحد، وتوقفنا معا على صوت أنثوى غريب، بائعة الفل تحمل لنا عقدا جميلا وتقول:
عشان خاطر الأمورة الحلوة اللى معاك، يا رب تتجوزوا.
تذكرت الحوار كاملا، بفضل الساعة البلاستيك فى يدى، وملهمتى بفكرة الماجستير أيضا مع تماثيل الشمع، كانت هدية غالية من صديقة جامعية قروية متفتحة مهذبة، تزوجت قريبًا ورحلت للكويت، وللشحاذة بقية أخرى.