الدكتورة لميس جابر
المهم ذكرتنى هوجة الموضوع ببائعى الجرائد زمان، عندما كانوا يصيحون فى الصباح الباكر.. اقرى الحادثة.. اقرى الحاثة.. تفشى الفيلم وتوغل وسيطر، وكل مذيع ومذيعة تعاملوا مع الفيديو بطريقته ومزاجه.. وكل واحد وعلامه وعلى حسب جهازه العصبى وثباته الانفعالى كانت التعليقات والصراخ والتوصيات والنصائح للحكومة المأسوفة على شبابها.
وجاء بعد ذلك الشوط الثانى وكان عبارة عن سيول هادرة من الأحاديث والتليفونات يبن الناس منها استفسار ومنها تبادل نميمة، وربنا يقدرنا نحن جماهير الشعب المصرى.. هذا يقسم أن هذه الفتاة هى فلانة بتاعة الموضوع الفلانى اللى كان فيه الواد اسمه إيه والآخر يقسم أن أبوها رجل أعمال كبير قوى شريك فلان الفلانى رجل الأعمال الأكبر منه، وثالث يحط الرغيف على عينه ويحلف أن الست دى بتاعة حكاية فلانة وأخو فلان اللى كان بيحب ابن عم أخت فلانة.. والخامسة والسادسة تقسمان بأن جوزها رفع عليها قضية إلى آخره.. أما بعض الثورجية والنكسجية المتوارين هنا ولا هناك فيخرجون علينا بأن كل هذا الانفعال لأنها يا حرام مظلومة ومقهورة لأن الشرطة وضعت لها حشيش فى الشنطة عشان يلفقوا لها القضية وياللا.. وأهو كله بثوابه.
أما الشوط الثالث فقد تم فيه إرسال حوالى سبعة أو ثمانية مليون فيديو على الموبايلات والأغلبية الساحقة للواتس آب، وقد تم تقسيم الفيديو إلى ثلاثة أجزاء وأكيد عزيزى القارئ وصل لسيادتك حتة من الفيديو تحت عنوان الجزء الأول أو الثانى أو الثالث وبعد دراسة مستفيضة على الأجزاء الثلاثة، وجد أن الأول يتناول رش المياه على الضابط وضربه بكلتا اليدين مع صيحة التهديد المرعبة "تحب أضربك تانى؟"، والجزء الثانى القلع قبل الملط بشوية، مع صيحتين لا صيحة واحدة.. الأولى "هااعلمك درس أمك معلمتهولكش"، والتانية "الميه دى مضايقة رجولتك؟" وهذه العبارة الأخيرة بقالى عشرة أيام أحاول أفهمها وفشلت، أما الجزء الثالث عزيزى القارئ فكان يحتوى على فقرة الـ"بى بى" -لا مؤاخذة- ثم جمع الميه المتناثرة على أرض المطار وشربها ليه؟ ما أعرفش.
وعلى فكرة بعد كل رسالة تحتوى جزءا من أجزاء هذا الحدث الجلل، تلاقى صاحب أو صاحبة الرسالة يطلبك ها...؟ اتفرجت؟ .. من باب التأكيد، ولأن الحكومة واعية والداخلية مصحصحة، غاب عنا وعن الجماهير والإعلام والصحافة أهم جزء فى الليلة السوداء وهو الجزء الخاص بالقبض على هذه السيدة جزاء هذا التصرف.
هذه الحادثة تم توصيفها بكل العناوين الممكنة لكنها لم توصف بالشكل الحقيقى، وهى أننا نعيش تحت ظل حكومة ماتخوفش عيل صغير، ودولة مازالت تبحث عن هيبتها واحترامها المفقود.. هذا الفيديو المؤسف لا يمكن أن تراه فى أى مكان يقع تحت مظلة سلطة أى سلطة حتى لو سلطة زبيدة العالمة.. للأسف زمان كان عسكرى الشرطة أبو شريطة واحدة أو شريطين والذى كنا نطلق عليه حضرة الصول أو الأمباشى، كان قادرا على تخويف شارع بحاله، وكان الناس تصرخ الحكومة وصلت، أما الآن فمازال القانون ضعيفا متواريا، والشرطة تعانى من الخوف والتردد.
الخلاصة أننا منذ زلزال يناير 2011، وبعد أن انهارت الدولة وسقطت هيبتها وتضاءلت هيبة السلطة وسطوتها، وترنحت هيبة القانون، منذ ذلك اليوم وكل ما ضاع لم يعد إلى الآن.