الدكتورة لميس جابر
ويتولى الإعلام المسموع والمنظور والمقروء تسخين الجو وتوليع الأعصاب وعمل مشكلة كاملة ومأساة متكاملة حول الهم والغم والخوف والرعب، وتعليمات أطباء الصحة النفسية لعبور السنة الكئيبة ونصائح للنوم الصحى والاستيقاظ العلمى وعدم الخوف ونصائح لطرد الوسواس الخناس إلى آخره، ثم وصلة أخرى لأطباء التغذية عن الغذاء الصحى جدًّا لطبلة الثانوية العامة، والأشياء المفيدة والأخرى الممنوعة.
وهكذا حتى أول يوم امتحان، وتأتى لنا صور البكاء الهستيرى والصراخ والولولة من الطلبة والطالبات وأولياء أمورهم الواقفين حول المدرسة حتى خروج الأبناء بالسلامة، ثم يأتى لنا التقرير العلمى عن الامتحان ليقول المسؤولون: "الامتحان فى مستوى الطالب المتوسط"، كأن البلد سوف تنهض وتتقدم علميًا وتكنولوجيًا بالطالب ذى المستوى المتوسط.. ولكن كثرة اتهامات الصحافة والإعلام لواضعى الامتحانات تجعل وزير التعليم يصرخ بهذه التصريحات ويحلف على المصحف ولّا يطسّنى ترماى إنه والله العظيم ثلاثة امتحان سهل "مية".
بعد ذلك تأتى التقارير اليومية عن مادة مادة، الجبر والكيمياء والفيزياء والإنجليزى والفرنسى، وهكذا.. وفى الأعوام الخمسة السابقة ومع تطور مستوى الفوضى تطورت أساليب الغش بالموبيلات والفيس بوك، وتأتى مانشيتات الصحف "يوم الغش العظيم"، "تسريب امتحان العربى"، "اعتداءات على المراقبين"، "أولياء أمور يغشّشون أبنائهم بالميكروفون"، وهكذا سوف نعيش أسبوعين من كل عام وربنا يستر والمسائل لا تتطور إلى القتل والإرهاب والتوليع، وكل هذه المهرجانات بسبب عام دراسى.. مجرد عام دراسى.
والمهم أنه بعد كل هذه المعاناة والكفاح المرير للمواطنين والشكوى المتواصلة تأتى النتائج بمجاميع خرافية تصل إلى أكثر من المائة بالمائة.. وعجبى عليك يا زمن ويا تعليم ويا طلبة ويا أهالى.. وكمان الله يرحمك يا آبا.. ولوالدى معى تجربة فريدة فى أول يوم للثانوية العامة، وكنا فى البداية المبكرة جدًّا للخوف العائلى والشعبى من هذا العام المحورى فى حياتنا.. وكانت العائلات تصمم على أن يبدأ الأبناء فى المذاكرة فى الصيف السابق للعام المحورى.. وطبعًا إلا "أنا".. وكانت الدروس الخصوصية فى بداياتها الأولى، وطبعًا إلا "أنا".
وكان أغلب العائلات يرفع حالات الاستعداد لا خروج ولا مناسبات ولا فسح لأنه العام المحورى، وطبعًا.. إلا "أنا".. وفى العام المحورى شاركنا فى عمل مسرحية العام فى سباق المسرح المدرسى وقدمنا بأداء المسرحية المقررة علينا فى الثانوية العامة باللغة الإنجليزية، وكانت رواية عن "كليوباترا".. وأيضًا صمّمنا على الذهاب إلى رحلة الأقصر وأسوان، وكانت مدعمة لطلبة الثانوية العامة وكنا ننتظرها منذ أولى ثانوى.. وكنا نستعين بالكتب المقررة فقط وبعض الكتب الخارجية فى الرياضيات فقط.. كلنا نسهر نذاكر وبجوار الكتاب نضع الراديو ونسمع أم كلثوم ونحل مسائل الجبر والهندسة الفراغية، وكانت المذاكرة عملية ممتعة وليست معذّبة وكئيبة مثل هذه الأيام.
وجاء يوم السبت الموافق لامتحان اللغة العربية.. وسهرت كعادتى حتى الصباح وارتديت ملابسى وهممت بالنزول بمفردى للذهاب إلى الامتحان والعائلة كلها نائمة ما عدا والدى رحمه الله عليه الذى كان يشجعنى بطريقة مبتكرة جدًّا.. قرر أبى أن يأتى معى إلى المدرسة سيرًا على الأقدام وأخذنا نراجع النصوص الشعرية المقررة شفهيًّا ونتحدث عن مواضيع "الإنشاء" أو "التعبير" المتوقعة، وكان يقول لى عبارة لا أنساها حتى وأنا أكتب هذه المقالات: "حسن الاستهلال" و"حسن الختام".
وصلنا إلى باب المدرسة وهنا قال أبى: "أنا مستنيكى على القهوة اللى هناك دى.. لو الامتحان ضايقك أوالمراقب دمه ثقيل سيبى الامتحان واطلعى عدى علىّ نروح السينما.. بلا امتحان بلا بتاع"، وكان أيامها فيلم "صوت الموسيقى" الشهير، ودخلت إلى لجنتى وأنا أمزح مع زميلاتى وأنكت وأضحك وقد طار الخوف وذهب التوتر وبدأت عجلة الامتحانات تدور على مدى أسبوعين على هذا المنوال، حتى إنه فى يوم امتحان الهندسة الفراغية جاء معى أبى، وكان مدرس رياضيات، وأخذنا الطريق مرة ثانية سيرًا على الأقدام وهو يشرح لى النظريات، وكثيرًا ما كنا نتوقف حتى يستطيع أن يشير لى فى الهواء موضحًا النظريات أكثر. لازمنى هذا الشعور بعدم الرهبة من الامتحانات حتى انتهيت من كل الدراسات فى حياتى.
كان التعليم على أيامنا من الأشياء الممتعة، ولم يكن مثل هذه الأيام تعليمًا بالسم الهارى.. والله يرحمك يا آبا.. ألف رحمة ونور.