صبرة القاسمى
الدولة التركية دولة علمانية لا دين لها، من يدعون أنه خليفة المسلمين، قالها أكثر من مرة "تركيا دولة علمانية"، وعقب ثورة 25 يناير حينما زار مصر قالها صراحة: تركيا دولة علمانية تسير على تراث أتاتورك، وتحول الثناء السابق على زيارته ذمًا وهجوًا لاذعًا.
فى الوقت الذى يرفع فيه أردوغان صور محمد الفاتح وينصب الحرس العثمانى فى قصره، يطالب إسرائيل بالتطبيع فى العلاقات، ويفتح المجال التركى للطيارين الإسرائيليين للتدريب.
أول مشروع إسلامى كان مشروع حسن البنا، مؤسس الإخوان، عقب سقوط الخلافة بسنوات أربع.. أسس الرجل جماعة الإخوان، هل كان الرجل سببا لصحوة إسلامية؟ أم نتاجا لصحوة إسلامية سابقة عليه؟ اختلف الباحثون.. المهم أن مشروعه فشل مرات ثلاث.. الأولى فى صدامه مع الملك، الثانية فى صدامه مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، والثالثة فى صدامه مع نسبة كبيرة من الشعب خرجت عليه فى 30 يونيو.
أسباب الفشل كثيرة، وما زالت موجودة ليس فقط فى الإخوان ولكن فى كل تيارات الإسلام السياسى.. أهمها "الوجود السلبى" الذى يعتمد على المعارضة والشعارات الرنانة، وما أسهل أن تعارض وأصعب أن تحكم، وجود يعتمد على أخطاء الغير وتكبيرها دون إيجاد مشروع حقيقى للتنفيذ على الأرض، وعند التنفيذ لا تُجدى الشعارات، والأهم من ذلك "الإحالة".. إحالة الفشل إلى أسباب خارجية وكأنهم لم يعرفوا بوجودها إلا بعد فشلهم!
التيار الثانى "الجهاد" الذى يُعد أقدم من الإحياء الثانى لجماعة الإخوان فى السبعينات، بدأ فى منتصف الستينات فى مصر تحديدًا، وكان أحد عوامل إنشاء القاعدة، وأحد أسباب وجود "داعش".
كان تيارا نخبويا يخاصم الناس يبتعد عنهم يتسم بالغرور أحد قيادات الفنية العسكرية الكبرى قال فى جلسة ودية: "كنا شبابا صغارًا.. لا يتجاوز عددنا مائة، كنا نظن أننا جيل التمكين الذى سيغير وجه العالم".
أعقب ذلك الجماعة الإسلامية، التى ظهرت فى الجامعات للتحول من جماعة إسلامية أعضاؤها من المثقفين والمتعلمين إلى جماعة اشتهرت بين الإسلاميين بأن أعضاءها جنود أمن مركزى، مع وافر احترامنا لجنود الأمن المركزى الذين يخدمون بلادهم بأرواحهم ويسقط منهم شهداء، كانت التسمية دليلا على الطاعة العمياء دون فهم من قبل أعضاء لم يحصلوا على تأهيل علمى ولو بسيط.
جُل ما سعت إليه الجماعة الإسلامية بالاشتراك مع الجهاد "انقلاب عسكرى" أدى لمقتل الرئيس الراحل محمد أنور السادات، أعقبته مواجهات مسلحة بين الدولة من جانب والجماعة الإسلامية من جانب آخر حتى منتصف السبعينات، دون مشروع يذكر لتقديم رؤية إسلامية واقعية وفعلية.
السلفيون باختلاف مدارسهم، سواء الهيكل السلفى الأشهر بالإسكندرية "الدعوة السلفية"، وسلفية القاهرة المعروفة بالسلفية الحركية والسلفية العلمية وحتى السلفية المدخلية، يتسمون فى سمات أهمها التربية، وأين نتاج التربية بعد ما يقرب من 40 عاما نشاطا سلفيا مكثفا؟، سب الدين منتشر بين المصريين أكثر من انتشاره فى المجتمعات الغربية.
عيوب كثيرة فى التيار الإسلامى، وما زالت موجودة، إعلاء قيمة الجماعة والانتماء إليها على قيمة الفرد، البعد عن فقه الواقع والانعزال فى الذات، التعالى فى معاملة الآخر، ادعاء امتلاك الحقيقة الدينية، الوجود السلبى، أو وجود المعارضة فقط دون مشروع حقيقى، الاعتماد على شعارات رنانة دون منهجية حقيقية، وضع حجج جاهزة للرد على أسباب الفشل.
ليس العيب فى الإسلام حاشا لله، ولن يكون لأنه دين كامل تام أنعم الله به علينا، ومن البديهيات أن نجاح النظرية يعتمد على اقتراب تطبيقها منها.. وكان أصدق وصف للنبى صلى الله عليه وسلم قول أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها فى وصفه: "كان قرآنا يمشى على الأرض".
أنا من أنصار المصالحة، والمصالحة التى أقصدها، مصالحة مبنية على "المصارحة"، أن يصالح أبناء تيار الإسلام السياسى أنفسهم، ويصارحوها، ساعتها لن يكون هناك حاجة إلى دعوات مصالحة مع المجتمع والشعب والدولة.. الحقيقة: الإسلاميون فى أشد الحاجة إلى "المصارحة".