كانت الثلوج تحتضن مدينة ( همذان ) الإيرانية في القرن الخامس الهجري ، حين دخل الخادم على الشيخ الرئيس " ابن سينا " فى تلك الليلة الزمهرير ليقلقه بسؤال أفزعه ..فتمالك العالم الجليل نفسه ولم يرد . . ولكن خادمه لم يتوقف ،ولم يحترم صمت الشيخ " ابن سينا ". .
فقد كانت غُدد النفاق عند ذلك الخادم متورّمة ، وكأنه كان يحلم بعضوية نادي الزند النخنوخي أو التيار الشعبي الصبّاحي ، أو رئاسة تحرير صحيفة فلولية ، وربما كان يطمع فى أن يحتل مكان إبراهيم عيسى في ( القاهرة والفلول ) ،أو برنامج ( مباشر من تل أبيب ) للأقرع بن أديب .
- سيّدى الشيخ الرئيس " ابن سينا " .. أنت أعلم رجال عصرك ،بل أعلم رجال الأرض على مر العصور بالدين والطب والفقه و..و..و..... ،خفض الشيخ رأسه فى تواضع وسأله : ماذا تريد أن تقول ؟
فتردد الخادم الشاب وهو يختار كلماته فــــــى دقة : أنت تفوق ياسيدى كل من سبقوك من العلماء ..إنـــى أراك أفضل حتى من الــ .. الـ.. الــ.. الأنبياء
- اُسكت
ولكن الخـــادم لم يسكت وأضاف:
قُل لـي بما يفضلك مُحمد ؟ ...
فــــى أى شىء يتميز عليك محمد بن عبدالله ؟
فضاق صدر " ابن سينا " ولم يرد عليه مباشرةً رغم تكرار السؤال ،ولم يصدر قراراً بتمكينه من امتلاك فضائية أو رئاسة بنك ،أو قاضياً يحكم بما يحب ويهوى ، ويُبـرّيء كل ضباط الشرطة وأعداء الثورة ويبيع دماء وكرامة مصر حتة حتة ،
أو ( صحفي هولوكوستي ) رأسه مثل حذائه ، رجال الدنيا عنده هم بوذا وماكين وشالوم ونخنوخ وانجلينا وسجاح ومسيلمة الكذاب ، وجمع الأموال من ( سبوبة ) الناشط السياسي والمحلل الإستراتيجي، والمحلل السياسي، والمحلل المحلل ، في فضائيات إبليس.
لم يجعل " ابن سينا " خادمه ( اللهو الخفي) لحرق مقرات الاخوان، وقطع طريق القطارات والمترو ، أو زعيماً للبلاك بلوك ، وقتل وسحل الشرفاء فى ميادين مصر وأمام قصر الإتحادية ،ولم يجعله ابن سلول جديد ويضعه على منبر مسجد عمر مكرم ،ولـم يحاول " ابن سينا " أن يتكلم عن النبي الأمي الذى يفضل الإنسانية جمعاء ..
وقام الشيخ الجليل لصلاة العشاء وقراءة القرآن ، وأوى إلى فراشه مبكراً فى تلك الليلة الباردة ،وقبل الفجر بساعة أيقظ " ابن سينا " خادمه ليدفيء له الماء للوضوء ،فتعلل الخادم بالبرد وأمهل الشيخ بعض الوقت ، وبعد فترة كـــــرر " ابن سينا " المحاولة ، ولكن الخادم لم يتحرك من فراشه الدافيء ،وقبيل أذان الفجر أيقظه للمرة الثالثة ، فأمهله الخادم بعض الوقت ...
وانطلق صوت المؤذن ( أشهد أن لا إله إلا الله ..أشهد أن محمداً رسول الله ) ..وإذا بالشيخ " ابن سينا " يقوم ليمسك خادمه النائم فى الفراش من كتفيه قائلاً :
هل تسمع هذا المؤذن ؟
─ نعم يا سيدي ،
هل رأى محمدا ؟
─ لا لم يره
كم قرناً ، كم عاماً تفصل بينه وبين محمد ؟
─ عشرات ، مئات الأعوام يا سيدي
كم ميلاً تبعده عن موطن محمد ؟
─ آلاف الأميال ..
ومع ذلك فإنه خرج فى هذه الليلة الباردة ليهتف باسم ( محمد ) من فوق أعلى مكان فى المدينة .. وأنت الذى تعرفنى وتقول عني أنني أفضل من كل الناس تأبى أن تقوم من فراشك بعد أن أيقظتك 3 مرات لتدفيء لي قليلاً من الماء .....
أرأيت كيف يفضل محمدٌ كل البشر ؟!