البث المباشر الراديو 9090
رأفت عبد العال
هل كنت مهزوما أم مسحورا..؟! لا استطيع التحديد بشكل سليم ولكنها حالة غريبة أصابتني بعد انتهاء النقاش مع أول شخص يعترف أمامي أنه من الإخوان المسلمين، شخص يتحدث ويبتسم ويلقي النكات ويتابع الفتيات ويبادلك الاحترام والتقدير بهدوء وثقة ومصداقية..

لن أنكر أن النقاش مع الأخ الإخواني قد لامس قلبي بشدة في ذلك التوقيت، ولن أنكر أن كلماته صادفت هوى في قلبي فاستجبت للنقاش معه طائعا، وكأن قلبي وعقلي وكياني كانوا مخدرين أو مسروقين أثناء النقاش وبعده والعجيب أن كل هذا تم بإرادتي وبلا مقاومة مني.

كان عقلي قبل هذا النقاش نشيطا بشكل مخيف يرفع سيفا من فولاذ  فأضحى بعد النقاش خاملا يحتمي بسيف من الخشب أوهوفي الحقيقة لا يحتمي بشئ لا سيف ولا درع ولا سور ولا حتى قدرة على التفكير، مزيج من الحروالبرد والمتاعب وعدم الفهم والحيرة ..
فلماذا كان هذا الاستسلام الشديد ..؟

لا أعرف.. وكأني كنت أبحث عن نموذج أؤمن به، أتخذه إماما ورمزا ومعلما وقدوة بعيدا عن الأهل والأقارب والحكومة والتاريخ وتقاليد المجتمع وعاهات المفكرين وعجزهم وأبراجهم العالية... وكأني كنت أبحث عن ملاذ لعقلي وروحي وكياني فوجدته في هذا النقاش العابر ..الإخوان والدعوة والإصلاح والمجتمع ومحاولة التقرب إلى الله ومعرفة الإسلام بالطريقة الأخوانية الجديدة كلها أشياء شعرت بها وصدقتها، امتزجت بداخلي فأقنعتني بأن ما أبحث عنه موجود بل وقريب ومن الممكن تحقيقه.. 

هل هي روعة الكلمات أم سلامة المنطق التي سببت لي هذه الحالة العجيبة، أم ربما أنا من يحب نماذج المتدينين ولا يجد فيهم أخطاء..بل من المستحيل أن أجد فيهم أخطاء..؟

إن تربيتي المحافظة جعلتني أنظر لكل من يتحدث باسم الدين بتقديس شديد، دائما هم على صواب وغيرهم على خطأ، حتى وإن قالت لنا الحكومة العكس وكثيرا ما قالت وحذرت وهددت وفتحت أبواب الإعلام والكتاب والصفوة ليكشفوا لنا عن مساوئ وفظائع وأمور مخجلة يفعلها الإسلاميين أو المنتمين على الخصوص لجماعة الإخوان..

ولكننا لم نكن نصدق .! فلماذا لم نصدق ..؟  لا أعرف
ربما لأن بداخلنا إحساس خفي يقول لنا دائما أن المتدينين هم الذين يملكون الآخرة ومعهم مفاتيح الجنة ورضا الله.. الصلاح في وجوههم يكشف لنا عن تقواهم وبرهم وصدقهم..هل رأيت رجل في الحكومة يقول لك قال الله وقال الرسول.. !
 
هل رأيت وزير أو غفير في الحكومة يذكرنا بالصلاة ويحثنا على الصدق ويجرم الرشوة ..ويراعي المساكين واليتامى ..المتدينون يفعلون ذلك في كل يوم وبلا مقابل ..لهذا نحبهم ونكره الحكومة..؟
فلماذا ينقلب الناس الآن عليهم ويصفونهم بالكذب والتضليل..؟
 
وهل يعقل أن يكون النظام والإعلام والمثقفين والكثير من أفراد الشعب والمجتمع الدولي كل هؤلاء وخلال كل هذه الأعوام ليس لهم هدف إلا تشويههم والنيل منهم وكسر إرادتهم وإفشال مشروعهم ؟
ثم كيف نفسر حوادث القتل المرتبطة بهم والتي لم ينفها فاعلوها ومازلوا يفتخرون بها حتى الآن..؟
 
هل كنت ساذج وبلا عقل أو تفكيرحين صدقت أن الأخوان جماعة نورانية تهدف إلى إحياء الدين..؟
ربما..لأني في الحقيقة وبعد هذه السنوات اكتشفت أني لم أفكر فيما قاله الأخ الإخواني بشكل جدي ولم أناقش أفكاره بموضوعية.. ولم أعلق على هذا المنطق الغريب الذي ربط به دعوة يقال أنها ربانية بنموذج فتاة جميلة نشتهيها للحظات ثم ننساها ..

هل قيام الثورة ووصول الإخوان للحكم غيّر من مفهوم وروعة وجمال دعوة الإخوان في قلبي وقلوب الكثيرين وأثبت لنا أن أقوالهم تختلف عن أفعالهم.. ؟

ثم كيف لم أذكر حادثة رعبت المجتمع كله في ذلك التوقيت هذه الحادثة هي العرض العسكري الذي أقامه الإخوان في جامعة الأزهر في نهاية عام 2006 ؟

العرض الذي أثار في نفوس المواطنين بشتى اتجاهاتهم الاستنكار والرفض، العرض الذي أعاد الوجه القبيح للجماعة من جديد، وأعطى مشروعية لقرارات النظام في الخنق والتنكيل وكبت الحريات، والأهم من ذلك أنه أعطى مصداقية لكل ما يروجه رجال الحكومة من أن جماعة الإخوان جماعة شيطانية لا دين لها  ولا مبدأ ولا هدف لها إلا ترويع الآمنين وقتلهم، وانتهاج العنف عقيدة أصيلة تجري في دمائهم..

كيف أنسى حادثة كهذه وأنا أتكلم مع شخص من الجماعة وسنه يقارب تقريبا أعمار المشتركين في هذا العرض المخزي ..!

الغريب أنني لم أناقش هذه الحادثة مع أي شخص من الإخوان قابلته حتى الآن..؟ والأغرب أن الإعلام ومنتقدي حكم الإخوان أيضا نسوها رغم أهميتها الشديدة في فهم أفكار الجماعة وتنظيمها السري..
هل أنا بهذا أفتح بابا جديدا للهجوم على الإخوان..؟
ربما..

البقية في المقال التالي

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً