يسري الخطيب
السادات .. عندما يستدعي الضمير عبقرية هذا الرجل لحل مشكلة مصر الحالية..
الورقة الخامسة :
سيتوقف التاريخ طويلاً أمام ما حدث في اليوم السادس من أكتوبر.. العاشر من رمضان.. فقد وقعت الواقعة ولم تكن لوقعتها كاذبة.. بل كانت خافضة رافعة.. ورجت الأرض رجاً .. فتغير مجرى التاريخ ، وتكسّر حاجز الخوف.. بعد أن تحطمت لإسرائيل خلال الحرب ألف دبابة وثلاثمائة طائرة.. وبلغ قتلاها ما يزيد على عشرة آلاف من الضباط والجنود.. وبلغ جرحاها ما يزيد عن عشرين ألفاً.. وهذه الأرقام مسجلة دولياً ويتم تدريسها مع خطة اقتحام خط بارليف في المؤسسات العسكرية العالمية...
وهي ليست مثل أرقام هيكل في الأهرام أو أحمد سعيد في إذاعة صوت العرب أثناء هزيمة 1967.. فقد كان السادات -رحمه الله- عسكرياً من الطراز النادر..
ولم يكن الفريق (عزيز المصري) مبالغاً حين شبهه بنابليون بونابرت.. فأثناء حرب الخليج (حرب تدمير العراق وتحرير الكويت) قال قائد القوات الأمريكية: إن البنتاجون حريص على أرواح الطيارين الأمريكيين وعلى طائرات الأباتشي ومن ثَمّ فإن رأى أن هناك ضرورة
لدور الأباتشي ففي هذه الحالة ستقوم بدورها دون أن تخرج من المجال الجوي الألباني ــ أي تشارك في العمليات من مسافة آمنة ــ وقتها.. ووقتها فقط .. تذكر الجميع ما فعله السادات في 1973 عندما قرر ألا تتجاوز قواته العابرة لقناة السويس خطاً معيناً يضمن أن تكون تحت حماية حائط الصواريخ على الضفة الغربية فلا يُدفع بها إلى مصيدة في العراء لتتكرر مأساة 1967..
رحم الله رجلاً رأى بإمكاناته القتالية المحدودة وغير القابلة للمقارنة مع عدوه ومَن يدعمه في ذلك الوقت ما يراه اليوم الخبراء العسكريون لأكبر قوة في العالم وبأحدث تكنولوجيا العصر.. وفي مواجهة دولة من العالم الثالث !!
إن حرب أكتوبر هي التي جعلت وزير خارجية أمريكا اليهودي (هنري كيسنجر) يتكلم بالعربية في مؤتمر جنيف في ديسمبر 1973 ويقول (اللي فات مات) وهي التي أنطقت فارس إسرائيل (أبا إيبان) بآيات من القرآن الكريم ، وجعلته يتباكى ويستعطف ويقول إن اليهود والعرب إخوة وأبناء سيدنا إبراهيم عليه السلام .. وحرب أكتوبر هي التي جعلت أسطورة إسرائيل (جولدا مائير) رئيسة الوزراء تجلس في بيتها لكتابة مذكراتها وتقول عبارتها الخالدة (لو بقي المسلمون على أخلاق أسلافهم ما وُجدت دولة إسرائيل)..
وبعد ذلك يخرج علينا عشاق الهزيمة وعبدة الصنم البشري والصفقاء ويقولون إنها تمثيلية
مُتفق عليها! .. يضحي السادات بأخيه عاطف ودماء المصريين.. ويوافق الإسرائيليون على قتل الآلاف منهم من أجل تمثيلية !!
ما هذا التهريج ؟ّ ..
لأن السادات نجح فيما فشل فيه عبدالناصر الذي قال له (زخاروف)
رئيس أركان الحرب السوفيتي بعد فضيحة 1967: ( لو أن كل سلاح
في القوات المسلحة المصرية أطلق طلقة واحدة لانتهت إسرائيل) ..
ولو رجعنا إلى تقرير الأمم المتحدة في تلك السنة (1967) عن التسليح في
العالم لوجدنا هذا التقرير يقول: (إن أعلى نسبة تسليح في العالم توجد في الجيش الأمريكي ويليه مباشرة الجيش المصري)) !!..
الورقة السادسة :
( يا سيادة الرئيس لقد رأيتك في المنام تصلي في المسجد الأقصى بالقدس ونحن جميعاً حولك) ..
ضحك السادات طويلاً عندما سمع كلمات (حسن التهامي) تلك .. وكانت أول قطرة ماء غير محسوبة وغير جادة في موج الأحداث التي أدت إلى رحلة الرئيس إلى القدس..
ولكن السادات قال إن الفكرة خطرت له وهو في الطائرة عائداً من (بوخارست) بعد لقاء شاوشيسكو الذي كان قد سبق له اللقاء مع مناحم بيجن.. وسواء كانت الفكرة للسادات أو للتهامي.. فالأمر أكبر من مجرد فكرة.. فها هو (هيكل) بعد كل هذه السنوات يعتذر للسادات ويعترف ويقرّ أن أنور السادات كان على صواب.. ولولا معاهدة السلام ما عادت سيناء إلا على يد المهدي المنتظر!! .. وكان مناحم بيجن على حق عندما فقد عقله قبل وفاته وظل (يخترف) 3 سنوات قبل موته ويقول إن السادات ضحك عليه بمجموعة أوراق وأخذ سيناء..
الورقة السابعة :
جاء السادات في ظروف اقتصادية خانقة استدعت أن يقوم بتدعيم الانفتاح .. وللتاريخ.. إن الانفتاح بدأ في أواخر عهد جمال عبدالناصر على يد الدكتور/ عبدالعزيز حجازي – وزير الاقتصاد في أواخر عهد عبدالناصر .. ورئيس الوزراء في عهد السادات.. والذي خرجت له الجماهير بعد الحرب تستغيث (حجازي بيه يا حجازي بيه .. كيلو اللحمة بقت بجنيه) ..... وقد قابلتُ الدكتور حجازي في الجامعة الأمريكية في مارس 1999 قبل المحاضرة التي أكد فيها ما سبق .. وشهد الرجل للتاريخ أن الانفتاح بدأ في أواخر عهد عبدالناصر وتحدث باستفاضة عن ذلك ومازلت احتفظ بتسجيل تلك الندوة ومازال شريط الكاسيت في مكتبتي منذ أن كنت طالبا في تلك الفترة .. ولكن لأن السادات رحل وخانه التلاميذ والأصدقاء .. أصبح دمه مباحاً للجميع.. والانفتاح ليس جريمة بدليل الطفرة الاقتصادية الهائلة للعديد من الدول التي نجحت في تطبيقه.. فالمشكلة في مصر كانت سوء التطبيق.. وكثرة اللصوص والأفاقين..
فهل كان الرئيس السادات (مغسّل وضامن جنّة ) ؟!!
الورقة الثامنة :
يُطلق على النظام الاقتصادي للمواطنين الإسرائيليين (بلاطا ــ بنك) Palata Bank ويعني أن اليهودي شديد الحرص على أمواله والخوف عليها وهو خوف نابع من انعكاسات نفسية للخوف الذي يسيطر أساساً على حياته داخل منطقة ليس مرغوباً فيه العيش بها وهذا يجعله دائماً يتحسس الخطى بأن تكون أمواله جاهزة ليلتقطها ويرحل عند أول أزمة أو خطر يهدده.. لذلك هو يفضل وضع أمواله (تحت البلاطة) .. ولإنتشار الفكرة انتشرت معلومة (بلاطا بنك) بنكي هو بلاطتي.. ويفضل عدد كبير من اليهود الاستثمار بهذه الطريقة بالرغم من عدم تزايد أموالهم..
وقد التقط السادات عبر المخابرات المصرية هذه الظاهرة ليستحدث منها نظرية لا ينقصها الذكاء وهي أن المواطن الإسرائيلي (المدمن جمع الأموال بحكم يهوديته) لو شعر بالأمان لخرج بأمواله من (بلاطا بنك) وبحسبة بسيطة (حسب اعتقاد السادات) بخروج هؤلاء بأموالهم مهما بلغ عددهم لن يتجاوز الخمسة ملايين وسيسعون لتحقيق أرباحاً مالية وسط أكثر من مائة مليون عربي فيذوب المجتمع اليهودي بين المائة مليون عربي..! وبهذه النظرية يمكن القضاء على إسرائيل بالذوبان وتفتيت تجمعاتهم وبعثرتها في شتى أركان الأمة العربية.
الورقة التاسعة :
في 3 سبتمبر 1981 تلبدت سماء القاهرة بغيوم الغضب فأقدم السادات على غلطته الكبيرة وهي اعتقاله 1536 معارضاً في يوم واحد بإلحاح من وزير داخليته الفاشل (النبوي إسماعيل)..
وكان الرئيس السادات قد ضاق صدره من الذين هاجموه هجوماً عنيفاً هو وأسرته وصل إلى حد رفع قضية جُنحة مباشرة ضده .. وهو بشر ، ويعلم أن كل هؤلاء لم يكن يجرؤ واحد فيهم أن يرفع رأسه أو يفتح فمه طوال أيام حكم عبدالناصر ( تماما مثلما يحدث الآن مع محمد مرسي بعد مبارك).. عاشوا مذعورين ، فلما جاءت الحرية انطلقوا ينهشون لحمه.. وفرق كبير بين معتقلات التعذيب الناصرية وبين ما ذكره د. ميلاد حنا في كتابه (ساسة ورهبان وراء القضبان) أنه أكل مع (هيكل) في معتقل السادات أشهى الأطعمة وأنه لم يأكل السمان بالفستق في حياته إلا في معتقلات السادات.. ولذا أطلقوا عليها معتقلات 5 نجوم.
الورقة العاشـرة :
أعاد السادات اسم (مصر) الذي ذُكر مراراً في القرآن الكريم.. مصر أم الحضارات كان اسمها (الإقليم الجنوبي للجمهورية العربية المتحدة) .. ثم بعد ذلك إبعاده لـ (هيكل) هامان العصر..
وتحرير صحافتنا منه.. بالإضافة إلى استعانته بأحدث صيحات العلم والتكنولوجيا.. فلم يقل لنا كما قال عبدالناصر في 1956 (أنا طلعت فوق سطح بيتي وسمعت أزيز الطائرات المغيرة فعرفت أنها إنجليزية) .. ترك القيادة والرادار والتكنولوجيا وأدار الحرب من فوق السطوح!! وبعد ذلك تسألون عن أسباب النكسة؟!
ألم يقل في 1967 (كنا فاكرين هييجوا من الشرق.. جاءوا من الغرب) .. إسرائيل طبعاً قليلة أدب لأنها جاءت من الغرب.. أو (أنا لسه ما كملتش خمسين سنة وباقي في المنطقة) ..
ألم يقل عن رجال الدين (الواحد منهم يفتي بوزّة) ..
أما السادات فعيبه أنه لم يحكم بالكرباج ولا أدمن الهزائم وخراب البيوت.. فالمصري مثل القط يحبّ خنّاقه.. ولذا فقد سرقوا منه فكرة (مترو الأنفاق) التي بدأت في عهده.. وسلبوا منه نصر أكتوبر واختزلوه في الضربة الجوية..
ولأن الكلمة في النهاية دائماً للتاريخ..
فقد مضى (الرجل) إلى ربه.. وخرج علينا الصبية وصغار العقول يقذفون تاريخ الرجل..
ولكننا نعذرهم لأنهم لم يصلوا إلى مرحلة النضج العقلي بعد..
وها هو الضمير الجمعي لمصر يستدعي عبقرية السادات لحل مشاكلنا الحالية بعيدا عن (طبطبة) مرسي التي لا ولن تجدي..
فأنور السادات رجل سبق عقله زمنه ..
ولذا فلن يفهمه ..
ويعرف قيمته..
ويدرك عبقريته ..
إلا مَن كان له عقل يعي.