رأفت عبد العال
أين كنت أنا حين قام طلاب الإخوان بعرضهم العسكري في جامعة الأزهر..؟،في نهاية 2006 أظن أني كنت في حي السيدة زينب وبالتحديد على مقاهي حارة الناصرية.
حيث لم يكن هناك عمل أو أمل أو حياة أو مستقبل أو طموح..لا شئ سوى الحديث عن النساء ومشاهدة مباريات كرة القدم والخوف كل الخوف من رجال الشرطة الذين يمرون في كل ساعة ويتابعون حديث الناس وهمساتهم عن السياسة والغلاء والبطالة وأفلام اللمبي وغرق العبارة والمنتخب الوطني والصراع الأزلي بين الأهلي والزمالك.
كانت هذه هي حياتنا.. وكان هذا هو كل ما يشغلنا في ذلك الوقت بل كل ما يشغل المجتمع ككل.. فهل كنا بلا عمل ..؟
لا ..بل كنا بلا أمل ..نعيش ولا نعيش ربما كنا نعمل.. وربما كنا نتسول.. وربما كنا نبيع ما تبقى بداخلنا من طموح الجامعة وأحلام الأهل والأقارب على طاولات القهوة وبين شاشات التلفزيون ومواعيد المباريات وشجار الناس في الحارة..ونعجب كل العجب من ذكريات عم فاروق الترزي العجوز عن الملك فاروق والنقراشي والثورة ورجال الجيش والحياة في مصر أيام زمان.
فهل كنا راضين عن تلك الحياة..؟ نعم كنا راضين فعلى الرغم من أننا لم نكن نعرف معنى الرضا لأنه لا يوجد في قاموسنا شئ اسمه الرضا إلا أننا لم نكن نعترض، أو نتململ أو نشكو سوء الزمان والنظام وتجاهل الحكومة كنا راضين جدا يكفينا أننا كنا نضحك ..نضحك طوال الوقت بلا سبب وبلا معنى..
ولكن كان يجب أن نعترض ..! لماذا لم نثور.. ؟ لماذا لم نتظاهر .. ؟ نفعل مثلما فعل طلاب الأزهر أصحاب العرض العسكري ؟ نصرخ في وجه الحياه ونقول للجميع نحن هنا..!
في الحقيقة لا معنى لتلك الأسئلة الآن خاصة بعد ثورة يناير 2011. ! فنحن لم نكن شئ ..لم نكن ذا قيمة ..كنا بلا عقل.. بلا طموح.. بلا مستقبل.. بلا مشاعر..مجرد أنفاس تدخل وتخرج لتعلن أننا مازلنا أحياء.. أو نحن نشبه الأحياء فعلى الأقل مازلنا نتحرك ونتكلم ونشكو ولو بالهمس ..ولم نكن نجرؤ على الحلم لأنه لم يكن لنا حلم ولم يكن أحد ليسمح لنا بأن نحلم ..فلماذا لم نعترض ..؟ لأنه لن يسمح لك أحد بالاعتراض ..نحن موجودون في هذه الحياة لأن القدر أوجدنا ولكننا في الحقيقة كمالة عدد ..مجرد ذرات من التراب ..!
كيف تعترض ذرة التراب التي تعيش على هامش الكون وفي قلب الفضاء الواسع اللانهائي..؟ وهل لها الحق في الاعتراض ..؟ وإلى من ستعترض ..؟ نحن كنا ذرات تراب حيث الكثير من العواصف والكثير من العتمة والكثير من التهميش ..نعيش في حارة قديمة مدخلها صغير وبيوتها ضيقة وأحلام الناس فيها لا تستحق السعي لتحقيقها فأي حياة تلك التي كنا نحياها..!
الغريب أنها كانت بالنسبة لنا وقتها هي كل ما نتمناه، أشياء بسيطة نفعلها كل يوم بلا ضجر أو ملل أشياء تتلخص في شيشة وشاي وطاولة ومباراة لكرة القدم وفيلم كوميدي يسخر من وجود أمثالنا في الحياة ورغم أننا لم نكن نعرف شئ اسمه الأخوان أو المعارضة أو الانتماء الحزبي أو المظاهرات أو الثورة..إلا أننا كنا نخاف من مرور رجال الشرطة في الحارة أو على القهوة ..مجرد مرورهم كان يصيبنا بالرعب.
لذلك كان غريبا وعجيبا وغير مقبول أن تخرج مجموعة من الطلاب في جامعة الأزهر لتقول لا وتعبر عن غضبها ورفضها وعدم رضاها لقرارات الجامعة الظالمة ..ورغم أننا كنا نعيش حياة كاملة ظالمة إلا أننا لم نفعل مثلهم ..
فكيف نفض هؤلاء الطلاب الخوف المسيطر علينا وقاموا وتظاهروا وأعلنوا رفضهم واعتراضهم ..؟ وكيف نجح النظام والإعلام في تحويل الأمر من لماذا تظاهر الطلاب..؟ إلى كيف تظاهرالطلاب ..؟
وكيف نسينا جميعا أسباب التظاهر وعلقنا المشانق لأسلوب التظاهر ..؟، كانوا يستخفون بعقولنا جدا .
البقية في المقال التالي