البث المباشر الراديو 9090
رأفت عبد العال
نعم كنا شباب ملئ بالسلبية بلا طموح أوإرادة..؟ لم يكن يشغلنا شئ، كنا نعيش على هامش المجتمع كبقعة زيت ظهرت على سطح الماء فعكرته وراح الجميع ينظر إليها بقرف واشمئزاز،ويعد الساعات والدقائق منتظرا ذوبانها أو رحيلها أو كنا مثل أطفال الضيوف المزعجين نسبب الارتباك لأهل المنزل بلا داعي وكان يجب ألا نحضر ونؤرق الناس والمجتمع ونزعج الحكومة والنظام وبالطبع أصحاب المنزل معروفين كما أن الضيوف المزعجين معروفين..!

كان أعضاء الحكومة وأفراد النظام والأثرياء وأصحاب الوساطات هم أصحاب المنزل وكنا نحن الفقراء من الشعب هم الضيوف المزعجين فكيف كنا نعيش حياتنا وكيف كنا ننظر لأنفسنا برغم هذه الظروف..؟
كانت حارة الناصرية بحي السيدة زينب هي وطني وبيتي وأهلى، كانت هي كل حياتي فيها كنت أعيش وأعمل وأفرح والعب وأنام، وفيها كنت أقابل أصحابي والزائرين من أهلي ، ودائما كنت افخر أمامهم بأني أبقى على القهوة طوال الليل وأخرج منها إلى العمل ثم أعود مرة أخرى للقهوة، ولم يكن أحد يحاسبني على هذا الكلام ولم أكن اخجل من قوله.

وكانت أحاديثنا على الدوام معروفة فهي إن لم تكن في كرة القدم والرياضة بشكل عام كانت عن النساء والأفلام، وكم شاهدنا من نساء جميلات في الناصرية وكم شاهدنا أفلام بلا قيمة. ولكننا في النهاية كنا نستمتع بالمشاهدة، مجرد احساس بأننا مازلنا أحياء أو ربما كنا نقلد دون وعي ما نراه في الأفلام والبرامج ونقرأه في الصحف ..هل كنا بلا عقل أو منطق...؟ ربما !

 كنا نجلس عند مدخل القهوة أو تحت مئذنة مسجد قانيباي الرماح في الجانب الآخر من الحارة ونتابع في هدوء ومرح وسعادة وبلا ضجيج ما يحدث في الحارة ولأننا كنا شباب بحكم السن ولأننا بحكم الطبيعة والعمل وقسوة الحياة كنا نمتلك الطاقة والقوة والعقل المتفتح وكنا نظن وقتها أن عقولنا متفتحة فلم نكن نوجع رؤوسنا بالحديث عن السياسة أو عن الإخوان والأحزاب ومسألة التوريث وصراع جمال وعلاء أبناء الرئيس السابق وبقية أعضاء الحزب الوطني الذين كنا نراهم على شاشات التلفزيون ولا نجرؤ على التفكير في مقابلتهم أو انتقادهم بشكل علني .

 قمة الذكاء وراحة البال أن تبتعد عن كل ما يعكر مزاجك ويخرجك عن حياتك الآمنة أو التي كنا نظنها آمنة لأنها في الحقيقة كانت بمقاييس غيرنا حياة في منتهى المتعة والرفاهية اقصد بغيرنا هنا أقاربنا الذين كانوا يعيشون في الصعيد والأرياف والصحاري الذين لم يكتب لهم أن يزوروا قاهرة المعز ويروا زحامها وجمالها وقسوة حكامها.

كانوا يحسدوننا على أوقات راحتنا الطويلة على القهوة، وكانت تعجبهم مناظر الناس والمآذن والبيوت القديمة في الحارة ودلع النساء في المشي والكلام والمزاح والابتسام.

كانوا يحسدوننا للأسف على فراغ عقولنا وقلة حيلتنا وانكسار إرادتنا ..نعم هذا ما اكتشفناه بعد هذه السنوات وبعد خروجي للسفر بعيدا عن وطني وبعد قيام الثورة وبعد معرفة ما كان يدور في السجون والمعتقلات والغرف المغلقة وكيف كانت تدار منظومة البلد والقوانين ومسألة التوريث وسرقة المال العام وآلة طحن الناس والاستخفاف بعقولهم ومطالبهم والتغرير بهم.

والغريب أننا اكتشفنا أنه كان هناك من يقاوم ويعترض ويقدم الشهداء بينما كنا نحن غرقى في أفلام الصيف ومباريات الشتاء، والخوف الشديد من الحكومة ويدها القوية.

كنا طائعون لأننا خائفون وكنا بلا عقل لأننا أعطيناه أجازة ولم يكن لنا قيمة لأنهم أوهمنا بعجزنا فاقتنعنا وانهزمنا وفازوا هم ..!!

البقية في المقال التالي

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً