رأفت عبد العال
وكانت أحاديثنا على الدوام معروفة فهي إن لم تكن في كرة القدم والرياضة بشكل عام كانت عن النساء والأفلام، وكم شاهدنا من نساء جميلات في الناصرية وكم شاهدنا أفلام بلا قيمة. ولكننا في النهاية كنا نستمتع بالمشاهدة، مجرد احساس بأننا مازلنا أحياء أو ربما كنا نقلد دون وعي ما نراه في الأفلام والبرامج ونقرأه في الصحف ..هل كنا بلا عقل أو منطق...؟ ربما !
كنا نجلس عند مدخل القهوة أو تحت مئذنة مسجد قانيباي الرماح في الجانب الآخر من الحارة ونتابع في هدوء ومرح وسعادة وبلا ضجيج ما يحدث في الحارة ولأننا كنا شباب بحكم السن ولأننا بحكم الطبيعة والعمل وقسوة الحياة كنا نمتلك الطاقة والقوة والعقل المتفتح وكنا نظن وقتها أن عقولنا متفتحة فلم نكن نوجع رؤوسنا بالحديث عن السياسة أو عن الإخوان والأحزاب ومسألة التوريث وصراع جمال وعلاء أبناء الرئيس السابق وبقية أعضاء الحزب الوطني الذين كنا نراهم على شاشات التلفزيون ولا نجرؤ على التفكير في مقابلتهم أو انتقادهم بشكل علني .
قمة الذكاء وراحة البال أن تبتعد عن كل ما يعكر مزاجك ويخرجك عن حياتك الآمنة أو التي كنا نظنها آمنة لأنها في الحقيقة كانت بمقاييس غيرنا حياة في منتهى المتعة والرفاهية اقصد بغيرنا هنا أقاربنا الذين كانوا يعيشون في الصعيد والأرياف والصحاري الذين لم يكتب لهم أن يزوروا قاهرة المعز ويروا زحامها وجمالها وقسوة حكامها.
كانوا يحسدوننا على أوقات راحتنا الطويلة على القهوة، وكانت تعجبهم مناظر الناس والمآذن والبيوت القديمة في الحارة ودلع النساء في المشي والكلام والمزاح والابتسام.
كانوا يحسدوننا للأسف على فراغ عقولنا وقلة حيلتنا وانكسار إرادتنا ..نعم هذا ما اكتشفناه بعد هذه السنوات وبعد خروجي للسفر بعيدا عن وطني وبعد قيام الثورة وبعد معرفة ما كان يدور في السجون والمعتقلات والغرف المغلقة وكيف كانت تدار منظومة البلد والقوانين ومسألة التوريث وسرقة المال العام وآلة طحن الناس والاستخفاف بعقولهم ومطالبهم والتغرير بهم.
والغريب أننا اكتشفنا أنه كان هناك من يقاوم ويعترض ويقدم الشهداء بينما كنا نحن غرقى في أفلام الصيف ومباريات الشتاء، والخوف الشديد من الحكومة ويدها القوية.
كنا طائعون لأننا خائفون وكنا بلا عقل لأننا أعطيناه أجازة ولم يكن لنا قيمة لأنهم أوهمنا بعجزنا فاقتنعنا وانهزمنا وفازوا هم ..!!
البقية في المقال التالي