البث المباشر الراديو 9090
عزة كمال
الجو مفعم برائحة الدخان والقلق. سحبت يده الخشنة من يدها اللدنة، اندفعت فى الشارع المكتظ بالباعة والناس، غيّبها الزحام، ظهرت فجأة على الجانب الأيمن من الرصيف، هرول ليلحق بها، اختفت ثانية، عبر الكوبرى بخطوات متثاقلة.

أوشك الغروب أن يلقى ظله الغامض، شعر بغُصَّة فى حلقه، النيل تحت الكوبرى ساكن أسود، والكوبرى يهتز بمرور العربات المسرعة.

قادته قدماه إلى الشارع الضيق الذى به المعرض. الدخان يتصاعد من مدخنة مطعم كباب فى المبنى المجاور له. الصالة طويلة ذات جدران بيضاء دون نوافذ. الجو مشحون بدخان السجائر. اللوحات معلقة بنظام والأضواء مسلَّطة عليها من فوقها، نهاية الصالة تفتح على حديقة صغيرة بها كافتيريا متواضعة.

جلس على طاولة بجوار سور الحديقة، طلب فنجان قهوة سادة، أزعجه مواء القطط التى تتمسح فى قدميه، أبدى امتعاضه ونهرها بتأفف، انتبه إلى صوت دقات الكعب العالى على بلاط الممشى الضيق. فى تلك اللحظة بزغ نصف قمر كبير، أخذ يرتفع من وراء الأفق، وغمر المكان بضوء ساحر.

انبعثت من جانبه ضجة، وأخذت الصيحات تتعالى، صاح أحدهم بحماس: "أخيرًا جئت"، وصاح آخر: "ظهر القمر"، وأشار بيده إلى السماء، وضحك الباقون الذين يجلسون على الطاولات المتناثرة بجواره. انهمكت المرأة الشابة فى تلقى التحيات والأحضان والقبلات، ولكنها توقفت عند أحدهم الذى طوق خصرها بذراعه وضمّها إليه بقوة وراح يهمس بكلمات رقيقة عذبة غير عابئ بمن حوله.

قال أحدهم وهو يصفِّق بيديه: "إحم ..إحم.. نحن هنا"، ارتبكت المرأة الشابة وانسلَّت من الرجل بنعومة وقد كسا وجهها الخجل. انفجر الجميع فى الضحك وانهمكوا فى الثرثرة، دّبت فى المكان الحياة، تنهد بارتياح واعتدل فى جلسته ولم يطرد القطة التى أخذت تتمسح مرة ثانية، أخذ يرشف القهوة بتمهل وتلذذ وهو يبتسم بعذوبة، وكأنما انزاحت من على صدره سحابة القلق التى لازمته طوال اليوم.

كان الظلام قد هبط تمامًا، شَخَصَ ببصره إلى القمر، وحاول أن يفكر بوضوح، لم يسعفه التفكير، كل ما يستشعره هو ذلك الإحساس بالتشوش يغلف ذهنه، استدار نصف دورة بالكرسى تجاه الضجيج، ثم وقف وتحرك نحوهم، كان الجميع مأخوذين بالطريقة التى طلب بها أن يجلس معهم،. ساد الوجوم للحظات، وبدا عليهم الارتياب، وحدها المرأة الشابة هى التى رحبت به وقالت لهم: "مرحبا بصديق جديد للشلة"، نظروا إليها باستنكار، "أنا منسى"، اسمى "منسى".

رشقته بنظرة إعجاب تحت الضياء الشاحب، بينما كان يتطلع إلى الأفق بعينيين غائبتين، مدت يدها له، كانت ناعمة ودافئة وحانية، ارتجف تلذذا، تبدد وصار كالريشة فى مهب الريح، ها هو يغتسل من آثار علاقة قفزت به إلى الهاوية، تبسم مرارًا واختلس نظرات غامضة لها، رأى فى مقلتيها سكينة لم يرها من قبل. العيون وحدها تكلمت، اشتعلت السماء بوهج القمر الفتَّان. فى هذه الحديقة الصغيرة شعر بالدموع التى لم يكن من المناسب أن يذرفها الآن، لكنه ترك لها العنان، وانهمرت على خديه.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز