البث المباشر الراديو 9090
مطر خفيف متعجل كان يسقط على الشرفة، إيقاعات داخلية جعلته ينفض نفسه من بين طيات الغطاء التى تعلوه، عندما سمع صوت ارتطام جسم ما بزجاج الشرفة.

وسّع التوجس حدقتى عينيه، ومشى بحذر، نظر من الزجاج فلم ير شيئا، قرر العودة إلى الفراش، لكنه سمع صوتا يشبه الصوت الذى يحدث عند احتكاك أوراق الشجر الجاف بالأرض، توقف وأخذ ينصت، فتح النافذة، نظر إلى أصص الزرع، أزاح إحداها جانبا، وجدها تنظر إليه بعينين صغيرتين توشكان على البكاء، يملؤهما التضرع والذعر.

حملها بين كفيه وأخذ يتأملها بنظرات تقطر حنانا وهو يحتضنها برقة، شعر بأنفاسها الدافئة قرب أنفه وهو ينحنى ليقبلها، أخذت تحك رأسها البيضاء فى صدره بلطف، وهو يمسد عليها برقة ويصفر صفيرا خافتا، وهى تهز رأسها امتنانا على إيقاع الصفير، استعادت عيناها بريقهما واختفت نظراتها المعذبة، وأخذت أنفاسها تنتظم، آثار ذلك دهشته لكنه شعر بسلام عميق بعدما اختلطت أنفاسهما فكأنهما يتنفسان من رئة واحدة، برقت فى ذهنه خاطرة، وضعها فى سلة من البوص بعد أن غطى جوفها وحوافها بغطاء قطنى، وارتدى ملابس الخروج.

استغرب الطبيب البيطرى من دخوله عليه "بالحمامة"، يطلب فحصها ومداوتها، هز الطبيب العجوز رأسه باستغراب، وقال له: "هذه أول مرة منذ افتتاح عيادتى من ثلاثين سنة، يأتى زبون بحمامة لأعالجها، ألا تعلم بأننا نأكل الحمام؟! بدلا من إنفاق المال على علاجها، اشترى عددا من أزواج "الحمام"، وذبحهم وأولم أصحابك وأصدقائك، ستكون وليمة فاخرة، وبالهنا والشفا".

جفل وحدق فى عينى الطبيب وهم بأخذ الحمامة، ولكن الطبيب قال له: "انتظر إنى أمازحك، الحمامة إحدى جناحيها مكسور وهناك جرح فى رجلها، سأقوم بعمل جبيرة لها، وسأعطيك دواء تضعه لها فى ماء الشرب، والتزم بالتعليمات التى سأدونها لك فى الروشتة".

وهو يغادر أخذ الطبيب يرمقه بنظرة إعجاب ممزوجة بالامتنان للرحمة التى شمل بها الطائر المسالم.

ابتاع حبوبا وجهّز صحن مياه للشرب وآخر للطعام ووضعهما فى حجرته مع الحمامة.

فى المساء حضر أصدقاؤه، وعندما قص عليهم الحكاية، أمطروه سخرية وتعليقات لاذعة وتناقلوا قصته عبر الهواتف مع الأصدقاء الذين لم يتمكنوا من الحضور، لم يطق سخريتهم وصرفهم مبكرا.

انشغل بتنظيف حجرة الحمامة وتهويتها، وتعطيرها بعطور فواحة، كان يشعر بأنه يحتضن الكون كله وهو يفعل ذلك، الكسر بدأ يلتئم، والجناحان يرفرفان رفرفة خفيفة، هو ذا التعافى الأول إذن، هكذا هجس بفرح.

فى الليلة العاشرة، ارتفعت الحمامة عن الأرض، محاولات عديدة خاسرة، تهبط وتعاود الطيران، لم تتوقف المحاولات إلا بعد أن نجحت فى أن تصل للسقف، ثم هبطت من التعب، فرح فرحا شديدا، لكن خوفا ما اجتاحه، الخوف الذى عرفه وجربه قبل ذلك، غفا إغفاءة طويلة، هاجمته الكوابيس، استيقظ وقلبه مملوء بالصراخات والنواح.

رمى نظره فى أرجاء الحجرة، كان هواء قادم من النافذة التى تركها مفتوحة، وجد الحمامة ترفرف عاليا فى الخارج، الضباب كثيف وشعاع الفجر بدأ فى نثر خيوطه، الحمامة ترتفع، تسافر مع الريح، تصعد إلى سماء لانهائية، يغريه شبق الروح للطيران، يشعر أنه يسير خفيفا خفيفا، يحمله طائر على جناحين صغيرين، كأنه يمشى على الغمام، لكن دموعه تنهمر بلا انقطاع.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز




آخر الأخبار