البث المباشر الراديو 9090
إسلام عفيفى
أعشق أيام السادات فيلما وحياة، إلا أننى لا أحب مشاهدة مشهد المنصة، لأننى أجده بطلا أسطوريا فى كل تفاصيل حياته ودرامية أحداثها المحبوكة، فى انغماسه بالحياة السياسية فى سجنه، وتسريحه من القوات المسلحة وعودته إليها، وزواجه من السيدة جيهان السادات.

وأراه أسطوريًا أيضا فى علاقاته بالقصر والحرس الحديدى، وجماعة الإخوان فى بدايات تشكيلها، والتى لم تكن أفصحت عن كل نواياها الخبيثة تجاه الوطن، وتواصله مع الألمان وانضمامه للضباط الأحرار، وعمله بالصحافة فى دار التحرير مشرفا عليها، وعشقه للكتابة والسينما ودخوله اختبارات التمثيل، التى فشل فيها أمام المخرج الكبير زكى طليمات، وعندما التقاه رئيسا للجمهورية ذكره بالواقعة فرد طليمات: "كنا شايلينك لدور أكبر ياريس"، قاصدًا رئاسة مصر.

كان يُؤْمِن بنظرية الصدمة فى الإدارة واتخاذ القرار، تسلم مصر وهى منقوصة السيادة على كامل ترابها وقواتنا المسلحة فى مسيس الحاجة، لإعادة بناء وتحديث ورفع للقدرات القتالية والمعنوية، وفى نفس الوقت كان عليه أن يواجه حرب التشكيك من خصومه أصحاب قميص عبدالناصر، لم تك هذه المعركة سهلة أو هينة على الإطلاق بين رفاق الأمس، إذ كان عليه أن يثبت لهم قبل غيرهم قدرته على قيادة بلد بحجم مصر فى ظرف عصيب، وهم الذين يستهينون به وإمكانياته.

هذه بعض الخطوط العريضة لتحديات خاضها السادات فى أثناء حكمه، لك تك اختياره، ولم يك له أى قرار بشأنها، ودون أن يختار شكل وتوقيت وأرض الصراع، وهو لا يملك ظهيرا سياسيا أو حزبيا، ولا حتى شعبيا لمساندته وقت الحاجة، ودعمه وقت الصدام الذى بدا مبكرا، ولكن بدهاء السادات السياسى وحنكته تمكن أن يحسم الصراع، ليتفرغ بعدها لإدارة المعركة الأهم معركة التحرير بكل تفاصيلها على الجبهة الداخلية، وجبهات القتال العسكرى والدبلوماسى العربى والدولى، فكتب الله النصر لهذه الأمة.

وتأكيدا لإيمانه بنظرية الصدمة، جاء خطابه الداعى للسلام لنملأ به قلوبنا، ونخفف به آلام الأم الثكلى والزوجة المترملة، وانتفضت الأصوات المعارضة مصريا وعربيا تتهم بطل الحرب بالتخلى عن قضية العرب أجمعين - فلسطين - وتكيل له بأقذع الألفاظ التهم، وتلصق به كل نقيصة، بل وامتدت الإساءات أحيانا لمصر نفسها، وتم عزلها عربيا، ولكن السادات كان صلبا بما يكفى ليقاوم ما أسماه البذاءات، وكسب أرضا محررة وزعامة استحقها عن جدارة واعترافا متأخرا بقدراته السياسية والتفاوضية ليس فقط بين قيادات مصر التاريخية، وإنما العربية والعالمية، فما من عاصمة فى العالم لا تمنح هذا الزعيم قدره قائدا عسكريا ودبلوماسيا من طراز رفيع.

وفى الحياة الحزبية أحدث انقلابا بمعنى الكلمة عندما أنشأ المنابر، يمين ويسار ووسط، وترأس الحزب الوطنى لتشهد مصر حياة حزبية تفصيل، كما أرادها الرئيس - حتى يأمن عواقبها - لتكون بداية ونواة لتعددية بعد إلغاء ثورة يوليو الأحزاب، وكانت هذه بمثابة تحول يتوافق مع رؤيته حول مصر التى يريدها، رحلة طويلة من المعاناة والمسؤولية عاشها الرئيس السادات فصنع مجدا حقيقيا، وسيظل الجدل حول بعض قراراته إحدى صور الحضور الطاغى الذى لن يأفل.

لم يكن رحيله عاديا كما كانت حياته، وكم من مشاهد حياتية أعظم مما يكتبه أعظم المؤلفين، جاءت النهاية بفخامة القائد وهو يرتدى زيه العسكرى، ووسط احتفاله بالانتصار العظيم، عندما سئل الرئيس الراحل فى مقابلة تليفزيونية ماذا تريد أن يكتب على قبرك بعد رحيلك أجاب السادات بعد تنهيدة ونفس عميق "عاش من أجل السلام ومات من أجل المبادىء"، وأجزم أنه تحقق له ما أراد.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً