الدكتور أشرف الصباغ
لقد عكست كلمة السيسى آفاق التعاون المصرى – الروسى، والآمال التى تعلقها القاهرة على التعاون الممتد والمرتجى مع موسكو، وطرحت عمليا وجهة نظر مصر فى كل القضايا الإقليمية والدولية، بدءا من مكافحة الإرهاب حتى أدوات وسبل تسوية النزاعات.
وشدد السيسى على أهم مفاصل العلاقات المصرية الروسية، دون أن يتجاهل تنوع المصالح والعلاقات، وأن نقاط الاختلاف لا يمكن أن تقف عائقا أمام تطوير العلاقات.
أما إحدى أهم الفقرات التى وردت فى هذه الكلمة، والتى تدفع القاهرة ثمنها دائما وعلى مر العصور والإدارات السياسية، فهى تلك الفقرة الى أكد فيها السيسى على أن ما يزيد من حدة الأزمات الراهنة فى المنطقة، هو تصاعد حدة الاستقطاب، والذى لن يؤدى فى النهاية إلا لتفاقم الواقع المضطرب من حولنا، وأقولها بصراحة، لم يعد هناك مجالاً للاصطفاف فى محاور، لفرض رؤى بعينها، أو الانضمام لتكتلات، هدفها الانطواء على نفسها، والادعاء بأن تلك المخاطر لا تعنيها، فلا سبيل للوصول لمستقبل أفضل إلا بتحقيق مزيد من التعاون، وتنسيق المواقف فى إطار من الاحترام والتقدير المتبادل، وتفهم الاختلاف والتنوع وثقافة الآخر، والالتزام بالقانون الدولى وبمبادئ الأمم المتحدة التى يجب أن تظل كيانًا جامعًا لنا، من أجل نظام دولى فعال يسوده السلام والأمن، بما يساعد على التركيز على تحقيق التنمية والرخاء، وتلبية تطلعات شعوبنا، وصولاً لنظام عالمى أكثر استقرارًا.
هذه الفقرة التى تلخص التوجهات السياسية الأساسية والمركزية لسياسات مصر الخارجية، ربما تكون مفتاحا للساسة الروس ولغيرهم من أجل فهم طبيعة الرسالة المصرية التى دفعت مصر ثمنها، سواء بمشاكل وأزمات داخلية أو غضب هذا الطرف أو ذاك من تحركاتها السياسية والأمنية والعسكرية.
ففى نهاية المطاف، ورغم كل المشاكل والأزمات، فإن جوهر وجود الدولة المصرية يكمن فى رسالتها التى يحاول البعض تجاهلها أو التقليل من قيمتها فى ظل اختلاط المفاهيم والمعايير، وقد يحاول البعض جر مصر إلى تحالفات وأحلاف تحت ضغوط أو تهديدات، ولكن إلى الآن لم ينجح أحد فى دفع القاهرة إلى طرق ومسارات تتعارض مع مصالح مصر الوطنية والقومية، أو تتناقض مع أحد أهم مبادئ الدولة المصرية رغم تعدد واختلاف الحقب الزمنية والسياسية.
الشراكة مع روسيا خطوة مهمة، انطلاقا من مبدأ التنويع والتعددية والمصالح المتبَادَلَة، إذ أن هناك الكثير من الأطراف والمصالح، والقاهرة ليس لديها لا طموحات فى توسيع نفوذها العسكرى أو الأمنى، ولا مطامع فى أراض هنا أو هناك، ومن هذا المبدأ تحديدا تنطلق مصر لتحقيق مصالحها مع مختلف الدول والأطراف.
روسيا أيضا دولة كبرى، وعضو دائم فى مجلس الأمن الدولى، وانضمت مؤخرًا إلى الدول الرأسمالية، حيث يدور الصراع الطبيعى والتقليدى بينها على مناطق النفوذ والتأثير والبحث عن مناطق لتصريف تراكماتها المالية وبيع السلاح وتشكيل التحالفات من أجل مصالح تكتيكية، ومن الطبيعى والمنطقى أن تبحث روسيا عن حلفاء يلبون لها طموحاتها وتوسيع نفوذها الذى يخدم قضاياها وملفاتها ويحقق مصالحها فى صراعاتها مع بقية الدول الرأسمالية الأخرى.
من هنا تحديدا يبدأ كل طرف فى تحديد أولوياته وفقا لمصالحه، ولا شك أن الساحة الدولية مليئة بالأطراف والقوى الكبرى والصغرى والمتوسطة التى تريد تحقيق مصالحها والحفاظ على أمنها- أى أن كل البدائل متوافرة حتى فى حالات الاختلاف فى هذا الملف أو ذاك، أو حتى وجود صراع على مصالح محددة.
ولا شك أن السؤال الطبيعى والمنطقى تردد فى أذهان الكثيرين من الساسة والخبراء: ماذا تريد روسيا من مصر، وماذا تريد مصر من روسيا؟ وهل هناك تكافؤ فى ما تريده كلتا الدولتين من بعضهما البعض، بما يلبى مصالحهما ويحافظ على علاقاتهما مع الأطراف الأخرى؟ وهل هما قادرتان بالفعل على ذلك؟