البث المباشر الراديو 9090
د. حنان يوسف
صورة مصر فى إعلامنا ؟!.. هل هى مصر الفقيرة المريضة التعيسة التى نراها فى معظم أعمالنا الدرامية؟!... أم تلك مصر التى تتحول فيها العشوائيات إلى عمارات الأسمرات البراقة؟!

هل هى مصر الخائفة المظلمة أم مصر التى ينير ليلها ضحكات ورقصات أهلها وضيوفها على نيلها؟!.. هل هى مصر التى يهان رموزها وثوابتها كل يوم فى إعلامها.. أم هى مصر الشامخة الباقية المتحققة فى مشهد إقليمى ودولى متعثر؟!

أيهما مصر يراها الآخر عنا؟!... أيهما مصر نقدم نحن فى الإعلام المصرى والعربى والدولى؟.. أيهما مصر يجب أن نصدر للآخر؟!

ألا يعلم أهل الإعلام حجم الجرم الذى يرتكبونه فى حق مصر حينما يتم عرض صورتها بذلك الاجتزاء وتضخيم السلبيات بدون المرور على إيجابيات متحققة على أرض الواقع، فى وقت أصبح العالم فيه قرية صغيرة بفعل التكنولوجيا، وأن الخطاب الإعلامى الخارجى أصبح يرتبط ارتباطًا قويًا يما تعرضه وسائلنا الإعلامية المحلية وتقدم فيها صور مغلوطة عن مصر فى كثير من الأحيان، يستخدمها الغرب ويروج بها صورة سلبية كاذبة عن مصر قد تصل إلى حد الإضرار بالأمن القومى لها.

ومخطئ من يعتقد أن الحديث عن صورة مصر المشوهة فى الخارج هو نوع من الرفاهية، وأنها تقل أهمية فى سلم ترتيب الأولويات الوطنية بجانب مكافحة الفقر والبطالة والعشوائيات، حيث تشير الدراسات والمتغيرات المحيطة الى أهمية الاتصال والإعلام فى رسم ملامح الصورة الذهنية للشعوب والدول، فى الوقت الذى بات فيه الإعلام والسياسة وجهان لعملة واحدة، وأن هذه الصورة المقدمة للآخر عن الدول والشعوب تؤثر تأثيرًا كبيرًا فى معطيات الأمن القومى الإقليمى والدولى، بل وكثيرًا ما تتخذ كذريعة للتدخل الجائر فى شؤون الدول الداخلية تصل إلى حد التدخل بالقوة، ولنا عبرة فيما حدث فى حالة احتلال بغداد بزعم مكافحة الإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان.

وقد وصل الأمر بالانزعاج من الصورة المغلوطة التى تقدم عن مصر فى الخارج إلى دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسى حول ضرورة العمل على تقديم الصورة الصحيحة لمصر فى الخارج، وهو ما أكد عليه فى أكثر من مناسبة بعد جولاته الدولية الأخيرة، من أهمية إنتاج خطاب اتصالى وإعلامى مصرى وطنى يستطيع مخاطبة الآخر وتقديم الصورة الصحيحة للإنجاز والنموذج المصرى.

ومؤخرًا أطلقت مبادرة مدنية طموحة اطلقتها المنظمة العربية للحوار فى عمل أول استراتيجية اتصالية وإعلامية تعنى بتقديم صورة مصر الصحيحة خارجيًا بعد أن ظهر فشل الإعلام المصرى فى تقديم نموذج لصورة مصر فى الخارج بالطريقة الصحيحة، بالإضافة إلى عدم الارتقاء بثقافة الحوار مما جعل هذا الأداء الإعلامى يؤدى إلى تزايد نسبة الارتباك وتصدير صورة مغلوطة عن الإنجاز والواقع المصرى.

فالملاحظ أن الإعلام المصرى لم يساعد فى ترتيب أولويات المواطن المصرى بطريقة تسمح بالاصطفاف حول مشروع بناء الدولة، بالإضافة إلى عدم قدرته على نقل صورة مصرية إيجابية فى الخارج، وانجرفت معظم وسائل الإعلام فى تقديم قضايا سطحية وهامشية بعيدًا عن إبراز عناصر النموذج المصرى المتكامل فى دوائره المتعددة عربيًا وإفريقيًا ودوليًا، ومعظم ما قدم من تناول إعلامى فى هذا الاتجاه هو عبارة عن خطابات مرتبكة وقتية ترتبط برد متشنج إزاء أزمة طارئة أو حدث طائفى ما، بينما لا ينطوى على التزام حقيقى بتوجه استراتيجى متكامل فى تناوله لقضايا ومكونات الهوية الوطنية المصرية أو دعم مشروع الدولة المصرية.

وهنا تأتى أهمية تصحيح صورة مصر الخارجية والرد على كل الادعاءات الباطلة التى تلحق بمصر فى الخارج وتعزيز دور الاتصال المجتمعى والإعلامى من أجل إحياء التأثير المصرى فى الخارج فى أفضل صورة، من خلال استخدام أدوات القوة الناعمة لمصر كالإعلام- الثقافة-التعليم – المصريين بالخارج - الشباب – الاقتصاد.. وغيرها من بقية أدوات القوة الناعمة المصرية وتسويق الصورة الذهنية السياسية المصرية الأفضل أمام العالم.

وتعتمد هذه الاستراتيجية فى صناعة الصورة الذهنية المثلى لمصر فى الخارج على نقاط قوة تتمثل فى توافر اهتمام سياسى مصرى الآن لتدارك القصور فى مجال الإعلام الدولى واستقرار الوضع السياسى المصرى ووجود نجاحات محققة على الساحتين الداخلية والخارجية، مع توافر بنيات إعلامية وثقافية وهيئات مصرية يمكن تفعيلها لخدمة مقاصد استراتيجية، ولكن تواجهها نقاط ضعف الاهتمام الإعلامى بصورة مصر بالخارج وغياب التنسيق بين مكونات المجتمع ووسائل الإعلام فى مجال صورة مصر وضعف التأهيل الإعلامى فى مجال الصورة الذهنية، وأمام تحديات كبيرة أهمها أوضاع السياسة الدولية وسيطرتها على صناعة الإعلام الدولى فى ظل هشاشة الإعلام المصرى فى التناول الخارجى وزيادة أعداد وسائل الإعلام المصرية الخاصة الهادفة للربح، التى تسعى لتقديم صورة ذهنية سلبية مصرية، وتكون مصدرًا لوسائل الإعلام الغربية المتحيزة.

وتتولد فرص حقيقية لتصحيح صورة مصر الإعلامية الخارجية، إذ تبنت الدولة لذلك باعتباره أمرًا يمس الأمن القومى لها، خاصة وأنه يدعمه تحركات واهتمام رئاسى مع الاهتمام بالإعلام االدولى والتنمية المجتمعية، وظهور جيل جديد من الإعلاميين يتقن استعمال التكنولوجيا الحديثة من مظلة وأرضية وطنية.

إن مسؤولية تقديم صورة مصر الحقيقية كما نتمناها فى الإعلام الدولى ليست مسؤولية الجماعة الإعلامية أو النخب المدنية بمفردها، وإنما مسؤولية مشتركة للجميع يتقدمهم صانع القرار السياسى فى الدولة من أجل رسم ملامح هذه الهوية بشكل علمى ومدروس ومعلن للجميع قابل للتطبيق كل فى مجال تخصصه.

إننا فى حاجة ماسة إلى إبراز المشروع المصرى الحالى فى وسائل الإعلام المصرية والعربية والدولية بطريقة مهنية وموضوعية تظهر النظام القيمى المصرى، وهو ما قد يتطلب معه توظيف جميع آليات زيادة الانتماء للوطن والعمل على النهوض به وإبراز القواسم المشتركة التى من شأنها إحداث حراك مجتمعى متجانس مكمل لدعم تقديم صورة إيجابية حقيقية لمصر أمام العالم، صورة حقيقية بها ما بها من سلبيات أحيانًا وإيجابيات أحيانًا، صورة تعرض كل ما تحقق على أرض الواقع، صورة واضحة دون تزييف تؤكد للعالم عظمة مصر رغم كل التحديات.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز