البث المباشر الراديو 9090
الكاتبة خلود أبوالمجد
قاهرتى التى أحب.. من يعرفنى يعلم بأن هذا هو الوصف الذى أحب إطلاقه على مصر بلدى وموطنى وجذورى وهويتى التى أفخر بالانتماء لها بكل كبيرة وصغيرة من جوارحى، وكيف لا أحبها وهى الأصل والأساس فى كل الدنيا.

اغتربت سنوات طويلة عن قاهرتى التى أحب فاختلطت بكل الأطياف والأجناس والأديان من البشر فى غربتى، وكنت أغار جدا حينما أجد مواطنى هذه الشعوب يتحدون فى كل شىء برفقة سفرائهم ولا يحدث هذا معنا كمصريين، وأتساءل لماذا هم ونحن لا؟ ولم أكن أجد إجابة شافية لسؤالى، لكننى كنت أصر على متابعة بحثى لماذا هم ونحن لا؟

وجدت بطويل البحث أننا من أبناء هذه الأرض الطيبة السبب فيما يحدث، نعم نحن ولن أخبئ رأسى فى الوحل، وأطلق شعارات رنانة اكتسب بها الكثير من القراءات أو التبريكات على ما أكتبه وأسطره من كلمات، لأننا تغافلنا ما نصدره من أخبار تتحدث عنا ركضا وراء "التريند" واكتساب مشاهدات وقراءات أكبر عبر كل وسائل الاتصال والإعلام والتواصل الاجتماعى.

سيقول لى البعض وهو يقرأ هذه السطور، أتناقضين ما تقولينه فى نفس الجملة، نحن نصدر الواقع الذى نعيشه ولا ندفن رأسنا فى الوحل.

لم يكن هناك أسوأ من زمن الحرب الذى عاشته مصر لعقود طويلة ونحن فى البداية نحارب الاستعمار وبعدها العدو الاسرائيلى، ولكن على الرغم من هذا وإن كنا من المتابعين الجيدين لما كان يقدم فى تلك الحقبة من أخبار ومعلومات عبر الصحف والإذاعات وأيضا فيما بعد التلفزيون والسينما والمسرح سنجد أننا بالفعل من صنعنا هذا بأنفسنا.

فمنذ بدأت السينما فى عكس الواقع القبيح بحجة أننا نصنع سينما مختلفة تتحدث عن المجتمع الذى نعيشه ولا نجمله ونرسم له رتوشه، بدأنا فى الانحدار، والغريب أننى هنا وفى أثناء كتابة هذه الكلمات لا يحضرنى سوى فيلم "أهل القمة"، وهو مأخوذ عن قصة قصيرة للأديب نجيب محفوظ، والذى يتناول الصراع الدائم بين اللص والظابط الشريف الرافض لكل ما هو حرام الذى أصبح يسمى منذ ذاك العصر بالفهلوة وتفتيح الدماغ، ليسعى اللص بكل ما أوتى من قوة لإثبات أنه الأقوى، وأن عهد الشرف والأمانة ولى، وهو ما حدث في نهاية الفيلم بزواجه من ابنة شقيقة الظابط الراغبة فى الهروب من واقعها الأليم.

الحقيقة أن هذا الفيلم ومن قدموه فى تلك الحقبة لا يمكن الاختلاف عليهم وفى حرفيتهم فى الصناعة، فهم أسماء يشار لهم جميعا بالاحترافية والبنان على كل ما قدموه فى صناعة السينما، وإن كنت أرى أن للبعض منهم حينها أهداف سياسية دفعته لتقديم هذا الفيلم، وهذا هو المأخذ الحقيقى بالنسبة لى هو على محتوى ما قدم، فليس كل ما يكتب يصلح نشره حتى وإن كنا نؤمن به، فهناك الحد الأدنى من ضرورة المحافظة على أخلاق المجتمع التى ذهبت مع الريح فى هذا العصر، بسبب ما صدرناه نحن من صوره سلبية عن الشخصية المصرية فى إعلامنا بكل فئاته سواء المكتوب أو المسموع أو المرئى، والأعظم والأكبر هو السينما التى تلف أنحاء العالم.

نحن من صنعنا الوحش بأيدينا وليس أحدا غيرنا بما فعلناه من هرولة وركض وراء اللحاق بـ" الترافيك والتريند" حينما أفسحنا المجال أمام الإعلام الخاص دون وضع لوائح وقوانين تحكمه، فأصبح من يحكمونه هم المعلنون الذين يبحثون عن المكاسب والعوائد المادية والمعنوية فى المنتج الذى يبيعونه وليس أكثر، فهم يتحدثون لغة تختلف تماما عن لغة صناعة المحتوى، فأصبحنا أمام كارثة حقيقية لا تنتهى بل إنها تتفاقم يوميا، يضحكنى بأننا وصلنا لمرحلة أننا نرفض السيطرة عليها، ويبحث البعض عن رفض استحواذ الدولة على هذه الصناعة الأهم من وجهة نظرى متشدقا بجملة "حرية التعبير".

النصب والاحتيال والجريمة وشعب الفهلوة والسبوبة، هذه هى صورتنا التى صنعناها وغذيناها بكل ما أوتينا من قوة أمام الجميع، بكل ما ننشره من جرائم قتل واغتصاب وسرقة ونصب فى إعلامنا المرئى حينما خلقنا برامج "التوك شو" الإخبارية المسائية لننشر فيها غسيلنا القذر، فأصبحنا علكة تتماضغ على لسان كل من هب ودب، الذين يبحثون عن تأكيد بأننا دون أصل وهدم مقولة "مصر أم الدنيا" ونحن فى غفلة بينة من هذه الحقيقة، ويسيل لعاب البعض منا على "قرشين" زيادة فيخبر ويقول ما يطلب منه دون التفكير فى أبعاده، فالسبوبة تحكم.

يجب علينا الوقوف أمام أنفسنا كثيرا وخصوصا صانعى المحتوى الإعلامى والفنى لاستعادة " قاهرتى التى أحب" التى فقدناها على أيديهم، فهم من خلقوا هذه الصورة الخارجية البشعة ويبحثون الآن بكل السبل للدفاع عن الكرامة ويفندون الدفاتر لمن طلبت منا قراءتها، نحن من صنعنا الدفاتر ونحن من مزقها وباعها لها.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً