سمية أبو فاطمة
فالمجد الذى كانت تنعم فيه أوروبا عبر أعوام مضت لم يدم طويلاً وأصبحت أوروبا مُكبلة بالديون السيادية لأغلب دولها والتى لم تنجح معها حزمات الإنقاذ المتعددة التى أقرها الاتحاد الأوروبى فى التخفيف من أضرارها الاقتصادية وهذا ما أحدث شرخاً فى التلاحم الأوروبى وأجبر البعض من دولها ومنها ألمانيا وإنجلترا وفرنسا على فرض سياج وقائى لمنع عدوى الإفلاس الاقتصادى.
الخريطة الاقتصادية العالمية لم تستثن أمريكا باعتبارها قوة عظمى، بل نجدها هى الأخرى ومنذ الأزمة الاقتصادية لعام 2008 تتخبط فى مشاكل اقتصادية كبرى وارتباك فى كواليس صنع القرار السياسى والاقتصادى، وأهم شاهد على ذلك هو تدخل أمريكا الصريح والمشروط فى كل المناطق التى تشهد توترًا سياسيًا وضعفًا اقتصاديًا بهدف الحفاظ على توازنها المالى والترويج لصفقاتها العسكرية والتجارية.
فى ظل كل هذه المعطيات الجادة والتى أعادت رسم الخريطة الاقتصادية لدول العالم، أصبح من الضرورى والعاجل لدول المنطقة العربية التنبه إلى فتح آفاق جديدة وتبنى أدوات مختلفة لإنعاش الاقتصاد بعيدًا عن الحلم الأوروبى والأمريكى، وهذا لا يأتى إلا بالتكاتف العربى العربى والتكاتف العربى الإفريقى.
ويعتبر الاستثمار من أهم وأنجح وسائل النهوض باقتصاديات دول المنطقة العربية والإفريقية، حيث يتوجب على الدول ومن خلال مجهودات القائمين على صنع القرار السياسى والقانونى والاقتصادى تبنى مجموعة من القرارات والإجراءات من أجل رفع مؤشر الاستثمار وجذب رؤوس الأموال من خلال إعادة ثقة المستثمرين والمحافظة على المستثمرين الحاليين من القطاعين الخاص والعام على نحو قابل للاستدامة، وكذلك تفعيل التواصل والتنسيق مع المنظمات الاقتصادية المعنية بدعم الاستثمار مثل منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OCED التى تضع استراتيجيات اقتصادية واضحة وتجارب ناجحة أمام الحكومات للاستفادة منها، إضافة إلى التعاون المستمر مع الشركاء الإقليميين وهم "البنك الإسلامى للتنمية وجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجى وصندوق النقد العربى، وكذلك التعاون مع الشركاء الدوليين كالأمم المتحدة للتنمية الصناعية والمفوضية الأوروبية ومجموعة البنك الدولى وصندوق النقد الدولى ومركز المشروعات الدولية الخاصة ومنظمة العمل الدولية والمركز الدولى لأبحاث التنمية وغيرهم".
وبجانب تشجيع الاستثمار عبر أدوات من الخارج كالتنسيق مع المنظمات والهيئات المعنية بقضية الاستثمار، هناك نقطة حاسمة وهامة فى رفع مؤشر الاستثمار وهى التركيز على "رأس المال العربى والإفريقى" عبر جلب رؤوس أموال عربية وإفريقية وفتح أسواق موازية لذلك من خلال اقتراح إطلاق مشروع "مارشال عربى إفريقى" على غرار مشروع مارشال الأوروبى لدعم التنمية والاستثمار فى الأقطار العربية الإفريقية، وذلك لن يحقق النتيجة المرجوة منه إلا فى ظل بيئة اقتصادية وقانونية نظيفة من خلال الدفع بتطبيق قانون الاستثمار والعمل على تنفيذه من خلال الدوائر الحكومية والقطاع الخاص بكل شفافية وبعيدًا عن البيروقراطية وإصلاح ترسانة القوانين سواء الضريبية أو قوانين العمل أو القوانين الصناعية والتجارية أو قوانين فض المنازعات، مع العمل على تقليص الإجراءات وتسريعها لحماية المستثمر من المماطلة والتقليل من خطابات الضمان والتقليل من التفتيش وسرعة الاستخلاص الجمركى وتسهيل التراخيص وتسوية المنازعات بشكل عاجل من خلال المحاكم العادية والمحكمة الاقتصادية مع اقتراح قانون لإعفاءات جمركية للمستثمرين العرب والأفارقة وترسيخ مبدأ المعاملة بالمثل من أجل إعطاء امتياز لرأس المال العربى والإفريقى.
ولا يجب أن نغفل عن إعطاء الأولوية لتأهيل الكوادر العاملة فى قطاع العمل بمقاييس دولية تُوضع رهن إشارة المستثمر وتفى باحتياجاته مهما كان نوع الاستثمار وحجمه، لأن المستثمر فى بعض الأحيان يجد نفسه عاجزًا عن إيجاد عمالة واعية ومدربة من أجل إنجاح مشروعه.
ومن ضمن آليات تفعيل وتشجيع الاستثمار ضرورة تسهيل انتقال رؤوس الأموال العربية والإفريقية ورجال الأعمال العرب والأفارقة بين الاقطار العربية والإفريقية ضمن تأشيرة عربية إفريقية مُوحدة على غرار "شنجن" الأوروبية تسهيلاً لممارسة مهامهم فى تشجيع وحماية الاستثمارات البينية العربية الإفريقية، فضلاً عن تحديث ودمج الاتفاقيات الجماعية العربية الإفريقية فى مجال تشجيع وحماية الاستثمارات وفض المنازعات الناشئة عنها.
تبقى الإشارة إلى قضية جوهرية لا ينبغى الإغفال عنها، وهى "التأثير السلبى للشائعات فى مجال الاقتصاد والاستثمار والتى باتت أمرًا مؤرقًا لدوائر صنع القرار"، وهذا ما يستدعى الإسراع فى سن قانون يٌجرم إطلاق الشائعة وترويجها والسعى إلى إثارة البلبلة والفوضى وبث الرعب فى نفوس المستثمرين، لأن الاستثمار ومؤشر الأمان خطان متوازيان إذا تأثر أحدهما سقط الآخر، ومن الضرورى التصدى إلى هذه الشائعات والضرب على يد مروجيها (نحمى رؤوس الأموال من الهروب الاضطرارى، ونحمى المستثمرين الحاليين ونستقطب مستثمرين جُدد).