البث المباشر الراديو 9090
رأفت عبد العال
كان سفري خارج مصر زلزال قلب كل شئ في حياتي وأثار بداخلي الكثير من العواصف وحرك في عقلي وقلبي وكياني كم هائل من الأفكار السيئة، إلى جانب شلال من الأسئلة التي لم أجد لها في حينها أجوبة واضحة ولكنها ظلت تؤرقني لفترة طويلة مثل لماذا أسافر..؟ وكيف سأعيش في الغربة..؟

وهل مثلي يصلح أن يتأقلم مع الأجواء خارج مصر...؟ ولأن مخاوفي كانت أكثر من أن يحتملها غيري فقد آثرت أن أناقشها مع نفسي ولنفسي بهدوء ودون أن أزعج بها غيري من الناس سواء كان هؤلاء الناس الأهل أو الأصدقاء أو حتى محيط القهوة. 

وظللت كثيرا أتابع البحث عن أجوبة لهذه الأسئلة المعقدة دون جدوى إذ كيف أسافر لأبحث عن رزقي وأنا في هذا العمر حيث كنت في منتصف الثلاثينات وهو وإن كان ليس بالعمر الكبيرولكنه أيضا ليس بالعمر القصير بالنسبة لمن يرغب في السفر والبحث عن فرصة عمل كما أنه قد رزقني الله زوجة وطفل ولا أظن أن لدي من المؤهلات ما سوف ينفعني لو غادرت مصر الآن فحتما سيكون الفشل حليفي الهمام الذي سيترك آثاره على نفسي وحياتي وحياة زوجتي لسنوات طويلة قادمة.

إذن فليكن السفر لشهور قليلة وبعدها أعود بشكل نهائي حتى وإن أعجبني الأمر فلن أبقى بالغربة..وقررت بيني وبين نفسي عدم البقاء تحت أي ظرف من الظروف ولم أطلع أحد على قراري هذا حتى زوجتي.

وسافرت ولم أتوقع أن تنقلب الدنيا بعد سفري رأسا على عقب وكأني كنت الوحيد الذي يمنع هذا الشلال الجارف من التدفق أو كنت الحجر الذي يمنع البركان من الانفجار لأنه وفي خلال شهرين من سفري قامت ثورة الشعب ضد نظام مبارك في يناير2011 وبالتحديد في أعياد الشرطة التي كان مبارك يطلق يدها بلا قيود على الشعب المسكين وشعرت أن الثورة في هذا اليوم أكثر من مجرد حدث تاريخي إنها رمز إلهي اختيار رباني يفوق قدرات البشر وتدبيرهم.

ورأيت وسمعت وتابعت كل ما يحدث في الميادين خلال أيام الثورة الثماني عشرة، ولأني خارج مصر فقد نجحت في رؤية الأمر من بعيد وسمعت الكثيرين أثناء أيام الثورة كيف يتكلمون ويتحدثون ويحللون وشاهدت جميع المواقف لجميع الشخصيات وكأني أشاهد فيلم أو مسرحية أو أقرأ كتاب عن بلد أو وطن آخر لا يخصني وكأني سائح أجنبي ينظر في كتاب العجائب أو في أحد المتاحف ويسجل ملاحظاته وهالني كم التناقض والكذب والتضليل الذي رأيته من الكثيرين.

كما فاجأتني بعض الشخصيات بمواقفها المشرفة ولكن أكثر ما جذبني في هذه الأيام هو تكرار ذكر الإخوان المسلمين كيف كان ينظر إليها الناس في الميدان في ذلك الوقت..؟ وكيف استقبلوا شبابها ..؟ وكيف تعلقت آمال الجميع  بالجماعة وبرجالها وبشبابها وبمواقفهم ..؟ وبدأ الجميع يطرح تاريخ لم نكن نعرفه وسمعنا أسماء كانت مشوهة من قبل هذا الحدث العظيم،وعرفنا مواقف كان يجهلها الشعب جهلا تاما واتضح أننا كنا في وادي وتاريخ مصر الحقيقي في واد آخر ..

إذن فلم أكن وحدي الذي كان يعيش بعيدا عن مصر وإنما الكثيرين غيري كانوا كذلك حتى وإن لم يسافروا،في هذا التوقيت تعرت مصر تماما من الكثير من الأكاذيب وبدأ الناس مرحلة جديدة من الوعي لم نعتدها في ظل تاريخنا المكتوب في الغرف المغلقة، التاريخ الذي أرادونا أن نعرفه وحرموا علينا الاطلاع على غيره.

البقية في المقال التالي

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً