متحف أم كلثوم
ملكةُ الآهات والوقفات والدلال، سيدةُ النهر، حكّاءةُ الأطلال، بارعةُ الأداء التمثيلى للمعنى، بحنجرةٍ أرقِّ من الماء وأمضى من البلاتين، السيدةُ أم كلثوم.

فى لقاء نادر معها أجراه الإذاعى طاهر أبو زيد، تحدثت أم كلثوم عن الكثير من المفارقات التى صادفتها فى رحلات الطرب، ومنها زيارتها لفرنسا فى نوفمبر 1967، وبعد وقوفها على مسرح الأولمبيا فى حفلٍ امتد لأول ساعات الصباح وصار حديث العالم والمستمعين الذين رأوا مطربةً من الشرق تتفوق على "إديث بياف"، وتشير ثومة فى الحديث إلى الرجل الذى زاحم الجميع ليصل إلى المسرح، محاولًا تقبيل قدميها، ولخوف القائمين على الحفل من أن يطالها مكروه، خصوصًا مع الزحام ووجود جنسيات مختلفة، حاول الأمن منع الرجل، فجذبوه حتى وقع ووقعت هى معه على الأرض، ثم قامت لتكمل الأغنية قائلة "هل رأى الحبُ سُكارى مثله" وليست "مثلنا"، لتتجاوز والجماهير الموقف كأن شيئًا لم يكن.

تحكى "الست" أنهم أرادوا أن يؤذوا هذا الرجل لكنها منعتهم، وقد علمت أنه اقتطع من قوته لمدة شهرين ليحضر هذا الحفل.
وقد حقق حفل أم كلثوم بفرنسا 212 ألف جنيه استرلينى، وضعتها جميعها لصالح المجهود الحربى، وغنت بعد ذلك فى تونس بحضور رئيسها آنذاك الحبيب بورقيبة فى استاد العاصمة، وفى المغرب غنت بحضور ملكها الحسن الثانى، وفى الخرطوم بحضور كل القيادات السياسية السودانية، وفى لبنان، وليبيا، وأبو ظبى، ولم ينته عام 1970، إلا وقد أودعت أم كلثوم فى الخزينة المصرية 520 ألف دولار.

هذه هى أم كلثوم التى تربعت على عرش الغناء العربى ولم تزل، مقدمةً مئات الأغنيات والقصائد منذ أوائل العشرينيات حتى السبعينيات، فلم يكن غريبًا أن يتأثر بها كل جيل حتى وقتنا الحالى، وليس عجيبًا أن تكون كل أغنية لأم كلثوم طازجةً كأنها غنتها للتو، ولعل موقف هذا الرجل الذى اقتحم زحام الجماهير ليصل إلى أقدام كوكب الشرق، واحد من آلاف المواقف التى صادفتها، فى رحلة غنائية امتدت لأكثر من نصف قرن، أثبتت فيه للعالم أن هناك حنجرةً أدركت أسرار الطرب وأغواره وحالاته وأسرار محبيه السميعة فى شتى بقاع الأرض.

ونظرًا لهذا الدور الذى قدمته سيدة الغناء العربى، وإثراء الوجدان المصرى والعربى والعالمى أيضًا، وتقديرًا لهذا الفن الأصيل بكل ما تعنيه الكلمة ، قررت الدولة أن تقيم مُتحفًا يليق بعطاء كوكب الشرق ويحمل اسمها، ليكون مصدر إشعاع فنى وثقافى وشاهدًا على تاريخٍ من الرقى، حتى بدأ العمل لتجهيزه وإقامته آخر أبريل عام 1998.
وقد تم اختيار منطقة الروضة على النيل، لإقامة المتحف، ليشغل أحد المبانى الملحقة بقصر المانسترلى بمساحة 250 مترًا، وهذه المنطقة تقع نهاية جزيرة الروضة، ومعروفة باسم منطقة "المقياس"، لوجود مقياس النيل الشهير بها، وقصر المانسترلى أثر تاريخى تبلغ مساحته 1000 متر مربع، وبناه صاحبه "حسن فؤاد باشا المانسترلى"، عام 1851م، وقد كان (كتخدا) مصر فى عهد عباس حلمى الأول، فى الفترة من 1850 – 1854، وكان محافظًا للقاهرة عام 1854، وتُوفى ودُفن بالقاهرة عام 1859.


بعد الدخول إلى المتحف، تصادفك فاترينة كبيرة تضم فساتين من أشهر ما ارتدته أم كلثوم، كل فستانٍ له ذكرى، وتواجه الفساتين بانوراما لمجموعة من الصور لكوكب الشرق، بشكل متناسق على قسمين، الأول يضم نحو 75 صورة تؤرخ لحياتها حتى ثورة يوليو عام 1952، كما يشمل صورًا لشبابها، وأخرى لأفلامها التى مثلتها: وداد، الذى عُرض فى 10 فبراير 1936 وأخرجه الألمانى فرايتز كرامب، ونشيد الأمل 11 يناير 1937 وإخراج أحمد بدرخان، ودنانير، وعُرض 29 سبتمبر 1940، وأخرجه أحمد بدرخان، وعايدة الذى عُرض 28 ديسمبر 1942، وأخرجه أحمد بدرخان، وسلّامة، وكان العرض 9 أبريل 1945، وأخرجه توجو مزراحى، و"فاطمة" وعُرض 15 ديسمبر 1947، ومن إخراج أحمد بدرخان.


كما توجد صور أم كلثوم بالملابس الريفية والضفائر، وصور سياسية مع مصطفى النحاس قبل الثورة، وتطالبه بإلغاء معاهدة 36، وهناك قسم آخر يضم 110 صور اُلتقطت لها فى مناسبات متباينة بعد ثورة 52، منها صور مع عبدالوهاب تحكى قصة أول لقاء جمعهما فى أغنية (انت عمرى)، وهو اللقاء الذى أُطلق عليه "لقاء السحاب".
كذلك يوجد بالمتحف عدد كبير من الصور لرحلات كوكب الشرق بالدول العربية المختلفة، منها صورة طريفة ترتدى فيها الزى الليبى مع الملك عبد الله السنوسى، ويرافقها فيها ابن شقيقتها محمد الدسوقى.
وهناك صور لها مع قيادات الجيش عقب ثورة يوليو، ومنها صورة مع الرئيس الراحل السادات، حين طلب منه الزعيم عبد الناصر أن يوصلها لسلم الطائرة، استعدادًا لذهابها إلى لندن لإجراء عملية جراحية فى الغدة الدرقية، كما يحتوى المتحف مكتبة سمعية بصرية وقاعة عرض فيديو، ويستطيع الزائر من خلال الأجهزة الموجودة بالمكتبة أن يسمع ويشاهد ما يريد من تراث كوكب الشرق، الأغانى، الحفلات، الأفلام، وصور من حياتها.

كذلك يضم المتحف حجرة خاصة بالأوسمة والنياشين والقلادات التى حصلت عليها أم كلثوم فى حياتها، إضافة لمجموعة من مقتنياتها الشخصية: نظارات، ومنظارها الخاص، ومصحفان مطعمان بالصدف، وثلاثة قفازات، ومفكرات، يومية، إحداها تتضمن مصروفاتها اليومية، وأخرى بها انطباعاتها بعد الحفلات، وثالثة كتبت فيها: اللهم اجعله عامًا مباركًا، إضافة لجواز سفرها ونظارة مطعمة بالألماس، ومن المفارقات الجميلة وجود أغانٍ لمؤلفين بخط يد الشعراء أنفسهم، وكذا أول عقدٍ وقّعته مع الإذاعة المصرية عام 1934، وتتقاضى بموجب هذا العقد 25 جنيهاً فى الحفلة، على أن تقيم حفلة كل أسبوع، وراديو، ومجموعة اسطوانات للشيخين أبو العلا محمد، وعلى محمود، ويوسف المنيلاوى، وعودها الخاص، وصورة واضحة لوالدها إبراهيم البلتاجى إضافة لعددٍ من أطباق من الفضة من مصر وبعض الدول، كذلك توجد فاترينة تضم عددًا من أحذيتنها وحقائبها الخاصة.

وأم كلثوم هى "فاطمة إبراهيم البلتاجى" المطربة المصرية التى اشتهرت فى مصر وفى عموم العالم العربى والعالمى فى القرن العشرين، ولدت 20 ديسمبر عام 1898، بمحافظة الدقهلية لإبراهيم البلتاجى مؤذن قرية طماى الزهايرة، مركز السنبلاوين.
كان والدُها يصطحبها وأخاها لليالى التى يحييها فحفظت عنه الكثير من التواشيح والقصائد، حتى بدأت أم كلثوم الغناء وهى فى الثالثة عشرة من عمرها مع فرقة أبيها متجولة فى القرى والأرياف منشدةً للتواشيح الدينية والقصائد، إلى أن ظهرت موهبتها بقوة، فأصبحت منشدَ الفرقة الأساسى، وما بين عامىْ 1916 و1919 التقت أم كلثوم بالشيخ أبو العلا محمد والشيخ زكريا أحمد، لتغنى عام 1920 فى القاهرة لأول مرة.
عام 1923 بدأت أم كلثوم فى إحياء حفلات لبعض أعيان القاهرة التى تم ترتيبها بواسطة متعهدى الحفلات، وبدأ نجمها يسطع ودخلت فى منافسة مع أشهر مطربات ذلك الوقت مثل منيرة المهدية ، فاطمة سرى وفتحية أحمد، ليقدمها الشيخ أبو العلا عام 1924 للشاعر أحمد رامى الذى تولى تعليمها أصول اللغة والشعر، وأظهرت استعدادًا كبيرا،ً واكتسبت مهارات جديدة إلى مهاراتها الغنائية.

ويشهد عام 1924 البدايات الكبرى لأم كلثوم، حيث تعرفت على نخبة من صفوة الفنانين، وسجلت بصوتها لإحدى شركات الاسطوانات أحد ألحان الموسيقار محمد القصبجى قبل أن تتعرف إليه، هو طقطوقة قال إيه حلف ما يكلمنيش من كلمات أحمد رامى، وكمن عثر على كنز قرر صاحب الشركة تعريفها بالموسيقار صاحب اللحن فقدمها إليه، ثم قام القصبحى بتدريبها بعد ذلك، كما علمها المقامات الموسيقية والعود، وبدأ يلحن لها أغنيات خاصة بها وحتى عام 1928 كان قد لحن لها 17 أغنية ما بين الطقطوقة والمونولوج منها ينوبك ايه من تعذيبى ، قلبك غدر بى، تراعى غيرى ، أحبك وانت مش دارى ونشأت بينهما صداقة فنية استمرت حتى وفاة القصبجى عام 1966.


كونت أم كلثوم عام 1926 فرقتها الموسيقية بقيادة محمد القصبجى الذى اختار لها أمهر العازفين وبدأ يزودها بألحانه، إلى أن جاء عام 1928 غنت أم كلثوم أول أغنية لها من قالب المونولوج من ألحان القصبجى، وهى "إن كنت اسامح"، كما سجلت 4 قصائد للشيخ أبو العلا أعقبتها 4 قصائد أخرى عام 1930 أشهرها "أفديه إن حفظ الهوى" لابن النبيه المصرى، و"حقك أنت المنى والطلب" لعبد الله الشعراوى، "الصب تفضحه عيونه" لأحمد رامى، و"أراك عصى الدمع" لأبى فراس الحمدانى، ليكون هذا العام 1930 بداية طفرة كبيرة استمرت حتى عام 1932 فى إنتاج أم كلثوم من حيث كم الأغانى وعدد الملحنين، حيث قدمت أكثر من 50 أغنية جديدة.


وينطلق قطار الطرب مع كوكب الشرق مخترقًا الزمان والمكان، وتتسع دائرة معارفها ومحبيها ومتابعيها فوق الكوكب، وتغنى لأحمد شوقى ورامى، وأبى فراس الحمدانى، والشريف الرضى، وجورج جرداق والهادى آدم، وبيرم التونسى، وحافظ إبراهيم وطاهر أبو فاشا، وعبد الفتاح مصطفى، وأحمد حسن إسماعيل وصلاح جاهين، وعبد الوهاب محمد ومأمون الشناوى، وكامل الشناوى، وأحمد شفيق كامل، ومحمد إقبال، وإبراهيم ناجى، وصالح جودت، ومرسى جميل عزيز، ونزار قبانى، كما لحن لها غير القصبجى والشيخ أبو العلا، كثيرون منهم زكريا أحمد، داود حسنى رياض السنباطى، محمد عبد الوهاب، بليغ حمدى، الموجى، كمال الطويل، وغيرهم.


ولتظل مكتبة الموسيقى العربية زاخرةً بهذا الكنز الفنى الذى لا ينفد بمرور الزمن ولا تنتهى صلاحيته، بل يكتشف المستمع فى كل مرةٍ لزمةً جديدة أو إيحاءً أو طريقةً للتعبير، مثلما عودتنا كوكب الشرق وهى تختال أثناء إعادة الكوبليهات، والتى دائمًا ما كانت تشعل المسارح التى وقفت عليها، بتصفيق وصراخ جماهير حرصت أن تنصت للست، وتلتحم بكل معنى تردده وتبرزه بتلك الحنجرة الماسية، وليتمايل المحبون وهواة الطرب والمغنى الجميل مع سلوا قلبى، وسلوا كئوس الطلا، أنساك، حيرت قلبى معاك، الأطلال، ثورة الشك، أراك عصى الدمع، عودت عينى، قصة الأمس، أغدا ألقاك، ألف ليلة وليلة، أروح لمين، للصبر حدود، شمس الأصيل، عودت عينى، حب إيه، إنت عمرى، سيرة الحب، أسيبك للزمن، أنساك يا سلام، ودارت الأيام، أقولك إيه عن الشوق، حديث الروح، وهذه ليلتى الحب كله، القلب يعشق كل جميل، وصولا لحكم علينا الهوى، و"يا مسهرنى، والعديد العديد من الأغنيات الملتصقة بذاكرة الموسيقى العربية.

فى الثالث من فبراير 1975، وقف جماهير الطرب مذهولة غير مصدقة نبأ وفاة كوكب الشرق بعد مواجهة مرض التهاب الكلى، الذى فاجأها بقوة أثناء تأدية بروفات أغنية لم يُكتب لها أن تكملها وهى "أوقاتى بتحلو معاك.. وحياتى بتكمل برضاك"، لتغيب الست عن محبيها بجسدها، وتظل روحها وأغانيها محلقةً فى الأجواء، لا تختلف فى هذه القيمة عن أُبّهة تراثنا المصرى القديم والمعابد، وهى التى حين سُئلت عن أجمل الأماكن التى زارتها فى فرنسا، فأجابت "المسلّة"، وفسّرت ذلك قائلةً: لأنها بتاعتنا.
