البث المباشر الراديو 9090
حرائق الغابات بتونس
تواصل الحرائق الغابية زحفها النهم على مساحات شاسعة من الخضراء فى إطار نشاطها الهستيرى الذى دب فى تونس بصفة ملحوظة بعد الثورة، حيث باتت هذه الحرائق المتواصلة والمتتابعة لغزا محيرا يسهم فى مزيد رفع سقف التحديات أمام الجهات المعنية والرأى العام التونسى.

معضلة حرائق الغابات فى "البلاد الخضراء" باتت تقض مضاجع التونسيين، والشك يراود الجميع حيالها، فالبعض يشم فى احتراقها رائحة�الجريمة البيئية الإرهابية�المدبرة، والبعض الآخر يعلق مخاطرها وأضرارها على شماعة الطبيعة، ويربط اندلاعها بارتفاع درجات الحرارة، لكن تعاقب الحرائق وانتشارها واسترسالها يقلق جديا الكل ويدق ناقوس الخطر على أكثر من صعيد.

فالحرائق لا تكاد تخمد، وقد يسجل فى اليوم الواحد أكثر من حريق واحد وربما ثلاثة فى مختلف المناطق، وآخرها كان فى منطقة قرمبالية بولاية نابل، والمعروفة بمساحاتها الخضراء الممتدة، حيث أتت النيران على 20 هكتارا (200 ألف متر مربع)، وقد نال حريق آخر أيضا من منطقة البطان بولاية منوبة بالعاصمة والحصيلة فى ارتفاع وتوسع مطرد.

لهيب نهم

أكد خبراء البيئة أن تواصل وضع الحرائق فى تونس بهذا النسق سينتهى فى 2015 إلى القضاء على مجهودات التشجير التى بذلتها تونس منذ نصف قرن.

رائحة الاحتراق وصوت سيارات الإطفاء خبر�شبه يومى بات التونسى يعهد ولا يستغربه البتة، فقد سجلت الإدارة العامة للغابات فى تونس خلال الفترة المتراوحة بين 25 و29 يوليو 2014، اندلاع 30 حريقا بست ولايات هى بن عروس وزغوان وسليانة والكاف والقصرين وجندوبة. وقد تراوح العدد اليومى للحرائق بين 5 و6 حرائق، فى الفترة المذكورة، ووصل إلى 6 حرائق يوم عيد الفطر.

وظل تواتر اندلاع الحرائق على نفس الوتيرة خلال الأسبوع الأول من أغسطس الجاري، وشملت الحرائق جميع مناطق الشمال الغربى والشمال، والشمال الشرقى وبعض غابات الوسط، وكأن الحرائق سلسلة منظومة تتداعى حلقاتها تباعا، فلا تكاد تخمد واحدة حتى تكشر الأخرى عن أنيابها.

فمنذ دخول صيف 2014 تتالت الحرائق وفى مناطق مختلفة شملت المناطق الداخلية ومناطق بتونس الكبرى، ولم يسلم جبل النحلى الواقع بمنطقة رواد من ولاية أريانة شمال غربى العاصمة من الحرائق، ليبقى حريق منتزه النحلى الذى قدرت فيه المساحة التى أتت عليها النيران تقريبا بـ59 هكتارا (590 ألف متر مربع)، أخطر وأكثر الحرائق التى كان لها أثر فى نفس التونسى مع العلم أنّ المساحة الجميلة للمنتزه تقدّر بـ225 هكتارا (2.25 مليون متر مربع).

ولم تعهد تونس حمى الحرائق التى تعيشها اليوم سابقا، حيث تسارعت وتيرة الحرائق ما بعد الثورة، فقد سُجّل العام الماضى 300 حريق أتلفت النيران على إثرها 4 آلاف هكتار (40 ألف متر مربع)، فى حين أنّ معدل الحرائق كان خلال العشرية الماضية فى حدود 150 حريقا، ولم تتجاوز مساحة الأراضى والغابات المتضررة منها ما بين 1500 و1800 هكتار أى ما بين 15 و18 مليون متر مربع.

تحديات مستعرة

معضلة حرائق الغابات فى تونس باتت تقض مضاجع التونسيين.

ويعتبر أول تحدى تعيشه تونس فى هذا الإطار، هو الإجابة عن سبب ارتفاع هذا العدد اللا معهود، والمتزامن والمتواتر من الحرائق وإماطة اللثام عن لغز نهم اللهيب الذى ينال من الخضراء على أكثر من صعيد، وأما التحدى الثانى فوقف مد هذه الحرائق ولملمة تداعياتها.

فهناك 250 ألف أسرة فى تونس تعيش بالغابات التى تواجه فى ثلاثة أرباعها فى الشمال الغربى تحديات جسيمة، حيث تمعن الحرائق فى زيادة مشاق سكان هذه المناطق بعد أن تراجعت مساحة إحدى أنواع الغابات بـ50%.

وقد تسببت 107 حرائق شبت بالغابات فى أنحاء متفرقة بتونس خلال موسم الصيف فى اتلاف قرابة 450 هكتار (4.5 مليون متر مربع) من الغابات وفق اخر إحصائيات وزارة الفلاحة التونسية.

كما مثلت الأحداث التى يشهدها جبل الشعانبى والمتاخم للحدود الجزائرية، الحلقة الأخطر فى مسلسل التهديدات للغابات فى تونس، حيث تسببت العمليات العسكرية التى يقوم بها الجيش التونسى لمطاردة المسلحين فى الجبل، باندلاع حرائق كبيرة فأتت النيران على قرابة 10%من الكساء الغابى للجبل.

وقد بذلت جهود حثيثة للسيطرة عموما، وأهمها المجهود الذى استنزف فى إخماد حريق اندلع فى غابة فى محافظة بنزرت الشمالية، لكن الحصيلة كانت موجعة وهى عبارة عن 100 هكتار (مليون متر مربع) من أشجار الصنوبر التى تشكل ثروة طبيعية ميزت المنطقة لقرون.

واقع جعل العديد من التونسيين يذهبون إلى اعتبار أن مارد الحرائق الذى خرج من قممه وانبرى يبتلع مساحات شاسعة من الغابات التونسية، لم ينطلق بمفرده وإنما حركته يد إجرامية وسمحت له بالعربدة.

نتائج التحقيقات بشأن حرائق الغابات غالبا ما تسجل ضد مجهول

ورغم جسامة هذه الجرائم البيئية التى تنتهك فيها الثروات الطبيعية التونسية، فإن نتائج التحقيقات فيها غالبا ما تسجل ضد مجهول وليبقى ملف اغتيال الثروات الغابية مفتوح على مفترق طرق، لكن يبقى الخوف الأكبر الذى يقض مضجع السلطات الرسمية فى تونس اليوم بعد الاخفاق فى معرفة هوية الجانى الحقيقى فى هذا الملف، متعلقا باقتراب هذه الحرائق من بعض المناطق الحساسة على غرار شركات تكرير النفط وبعض القواعد العسكرية أو محطة الإرسال الإذاعى والتلفزيونى المتمركزة بأعلى قمة جبل الشعانبى فى محافظة القصرين، الذى تعرض لسلسة من الحرائق كانت بعضها بفعل عمليات التمشيط العسكرى للمنطقة الجبلية التى يحاصر فيها الأمن التونسى المسلحين.

وتتنامى الخسائر البيئية والمناخية والحيوانية والديمغرافية فى إطار فوبيا هذه الحرائق التى لم تتمكن التحقيقات المفتوحة فى إطارها من إماطة اللثام على وجه الغموض فيها، ويبقى اعتبارها مسجلة ضد مجهول معضلة أكبر تطرح على الخضراء عبء إضافيا يضاف إلى أعبائها الاقتصادية والأمنية، خصوصًا وأن العديد من الخبراء أكدوا مؤخرا أن تواصل وضع الحرائق فى تونس بهذا النسق سينتهى فى 2015 إلى القضاء على جميع مجهودات التشجير التى بذلتها تونس منذ ما لا يقل عن نصف قرن.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز