البث المباشر الراديو 9090
أبو بكر البغدادي
بعد سقوط المشروع السياسى للإخوان المسلمين فى مصر، واندثار حلم الخلافة، ظهر تنظيم الدولة الإسلامية بالعراق والشام، المعروف بـ"داعش"، ليرفع نفس شعارهم: "الخلافة".

غير أن داعش يمتلك أدوات وآليات مختلفة بشكل رئيسى عن أدوات وآليات الإخوان، فى سعيهم الحثيث نحو الخلافة، من قوة وعتاد وأموال وعدم اعتراف دولى، تؤهله لأن يعمل تحت الأرض وفوقها.

الخلافة الإسلامية.. قضيتهم الأولى

كانت قضية "استعادة الخلافة" من أكثر القضايا التى تشغل الحركات الإسلامية المعاصرة، بل إن إسقاط الخلافة العثمانية كان من جملة الأسباب القوية والمباشرة التى دفعت إلى ظهور كبريات الحركات الإسلامية العالمية، مثل الإخوان والتبليغ والقاعدة، والجماعة الإسلامية، ونور تركيا، وحزب التحرير الإسلامي، التى كانت دائما تطالب بالحلم الموعود.

وذهب "داعش" وأعضاؤه إلى حد إعلان "دولة الخلافة" بالفعل، انطلاقا من بعض الأراضى التى سيطر عليها التنظيم فى العراق وسوريا، بل نصبوا أبا بكر البغدادى "خليفة" للمسلمين، خلال هذا العام.

أعضاء داعش فى العراق

محو الحضارة.. أسلوب حياة

للعرب تاريخ طويل قبل الإسلام وبعده، ومحاولات "داعش" خلال هذه الفترة القصيرة من العام الماضى، لطمس هذا التاريخ، خصوصا فى الحياة الاجتماعية والآداب والفنون، مستمرة، حيث يدمر التنظيم الآثار المسيحية، وأضرحة الصالحين المتصوفة، ويسيطر من جانب آخر على التعليم والمؤسسات التثقيفية، لخلق أجيال جديدة لا تعلم عن ماضى العرب شيئا.

نعم، داعش تسير على النهج الطالبانى، خاصة فى مسألة هدم التماثيل، حيث وزّعت قيادات التنظيم وثيقة فى مدينة "نينوى" نصت فى البند الثالث عشر منها، على ضرورة تحطيم التماثيل والأبنية الدينية، من غير المساجد. ونفّذوا بالفعل تهديدهم وهدموا تمثال الشاعر العربى الكبير "أبو تمام"، فى الموصل، وكذلك أزيل ضريح قبر المؤرخ ابن الأثير، والموسيقار عثمان الموصلى، كما محوا تماما قبر النبى يونس، عليه السلام، وتمثالا أثريا للسيدة مريم العذراء.

وفضلا عن الاضطهاد الذى يلقاه مسيحيو العراق وسوريا، فإن عناصر التنظيم تمارس اضطهادا من نوع آخر مع الإيزيديين، خصوصا بعد سيطرة "داعش" على قضاء سنجار، حيث قدرت الأمم المتحدة أعداد العائلات التى هربت من "داعش" بنحو 200 عائلة، فى ظل إعدامات عشوائية واعتقالات وحفلات تعذيب واغتصاب بحق الطائفة الإيزيدية.

عناصر من داعش

التنظيم يجنى ثمار سقوط الدول الكبرى فى المنطقة

على مدى شهور، أثبت تنظيم أبى بكر البغدادى (الذى بدأ فعليا فى الوجود على الأرض من عام 2004.. لكن هذا العام شهد التوحش الأكبر له)، أنه قادر على استغلال فشل كل من الثورة السورية ونظام المالكى فى العراق لتأسيس هذا الخطر الأكبر، بل استفاد من الأسلحة التى تدفقت إلى سوريا، كما استفاد من جيش صدام حسين، وكذلك من الشباب الذين كانوا يعبرون الحدود للقتال فى سوريا ضد نظام بشار الأسد، وكذا المقاتلين "المرتزقة" الأجانب.

تنظيم "داعش"، خصوصا فى "الرقة" عاصمة الخلافة، دعا أهلها لتجربة نظام الخلافة بدلا من النظام العلمانى، حيث نقل المرصد السورى لحقوق الإنسان، نص ما ورد فى بيان وزعه "داعش" على أهالى المدينة جاء فيه "لقائل أن يقول: من أنتم؟ الجواب: نحن جنود الدولة الإسلامية، أخذنا على عاتقنا إرجاع أمجاد الخلافة الإسلامية ودفع الظلم والحيف عن أهلنا وإخواننا المسلمين.. نعامل الناس بما ظهر لنا منهم، ونكل سرائرهم إلى الله، فمن أظهر لنا شعائر الإسلام، ولم يتلبس بناقض من نواقضه عاملناه معاملة المسلمين، ولا نأخذ أحدًا بالظن والتهمة، بل بالبيّنة القاطعة والحجة الساطعة، والمقدَّم عندنا إحسان الظن فى المسلم، ما لم يكن ردءًا للمسلمين وعونًا للمجرمين".

وأضاف التنظيم: "الناس فى ظل حكمنا آمنون مطمئنون، فوالله لا رغد للعيش إلا فى ظل حكم إسلامي يضمن للرعية حقوقهم وينصف المظلوم ممن هضم حقه، ومن كان علينا بالأمس ناقمًا فهو اليوم رعية آمن إلا من صدَّ وندَّ وارتدَّ.. الأموال التى كانت تحت قبضة الحكومة الصفوية (المال العام) ترجع جميعها لبيت مال المسلمين، وأمرها عائد إلى خليفة المسلمين، وهو الذى يتولى تصريفها فى مصالح المسلمين، وليس لأحد أن يمد إليها يده بنهب أو سلب أو حول ذلك، وإلا عرّض نفسه للمثول أمام القضاء الشرعي والمساءلة ثم إنزال العقوبة الرادعة به".

جنود داعش يتجوّلون في المدن التي يحتلونها

من أين يحصل الدواعش على أموالهم؟

يمكن حصر مصادر التمويل فى حملات السطو على البنوك والمصارف فى المدن والقرى التى يجتاحونها، فضلا عن بيع نفط الآبار التى تقع فى نطاق سيطرتهم، للسماسرة، إضافة للزكاة والتبرعات، وقد أورد عاكوم لاحظة ذكية، وهى احتمالية انحسار النقود المتدفقة على التنظيم بعد الأخبار التى تم تداولها عن الثراء الفاحش الذى يعيش فيه أعضاؤه.

الخطر الحقيقى الكامن وراء الأموال التى يحصل عليها "داعش"، هو الاكتفاء الذاتى الذى بات يتمتع به التنظيم، ما يسمح له بتجنيد عشرات الآلاف من الفقراء، خصوصا وأن عددا من السوريين والعراقيين الذين يعيشون فى مناطق يسيطر عليها التنظيم، يعانون من الفقر المدقع.

التوسع فى ثروة التنظيم سيدفع بأعضائه للانتقال بالعمليات إلى خارج سوريا والعراق، بل وإلى خارج حدود الوطن العربى بأكمله، وهو الخطر عينه، وهو ما يتفق مع تقارير أمريكية وبريطانية، حذرت أيضا من امتداد عمليات "داعش" إلى بلادها.

جنس دماء أموال .. دوافع الدواعش

المحللون يتحدثون دائمًا عن أن الجنس والدماء والمال هى الدوافع الكبرى لاجتذاب الشباب العربى، وليس الدين كما يدعون، وفسر علماء النفس حقيقة انضمام الشباب والنساء لداعش على أساس "دوافع شخصية" يستغلها التنظيم بذكاء حاد. وقال العلماء إن الفكر المتطرف يعتمد على الغرائز البدائية للبشر "الجنس والعدوانية"، لأنه يقدم علاجًا سريعًا لإصلاح الخسارة، حتى إن التنظيم أنشأ مراكز للزواج، فانضمام المرأة للتنظيم، تكون مستعدة للزواج من المقاتلين الداعشيين، وعند أسر النساء والفتيات العراقيات يجبرونهن على ممارسة البغاء، ويعيشون فى بيوت الدعارة، التي تديرها الجهاديات الإناث.

لقد بات اغتصاب الفتيات من غير المؤمنات هو "عمل شرعي" عندهم، فى حين الفتاوى بإعلان "الجهاد الجنسي" تشجع الوحشية ضد الإناث، وأخيرًا يرتبط الاستشهاد بالنعيم الجنسي الذى سيحدث فى الجنة.

بين كتائب التنظيم، كتيبة بأكملها تحمل اسم "كتيبة الذباحين"، تضم عددًا كبيرًا من الشباب الأقوياء الأشداء، الذين نزعوا قلوبهم وعقولهم، ووضعوا بدلًا منها أحجارًا مصمتة، تتلقى أوامر سادية، تعشق الدماء، وتنفذ ذبحها باسم الدين كذبًا وزورًا وبهتانًا.

لا فرق فى الكتيبة بين عربى وغربى، بين شخص أتى من الريف وآخر أتى من المدينة، بين شخص تربى فى كنف الحضارة وآخر تربى فى البادية. أفراد الكتيبة، رغم أن معظمهم يظهرون "ملثمين" فى الفيديوهات والصور التى تبثها المواقع القريبة من "داعش"، فإن بعضهم بدأ يتعرف عليهم.

مقاتلون استراليون ضمن صفوف داعش

الحرب عليهم.. هل تجدي؟

مثلما فعلت أمريكا مطلع التسعينيات، حين سعت لقيادة تحالف دولي لخوض حرب الخليج، ضد العراق، حاولت واشنطن من جديد شن أ حرب على "داعش"، فى الربع الأخير من عام 2014.

وشمل الحشد الكثير من دول العالم التى تأثرت بسياسة التهويل الإعلامى حول تنظيم الدولة الإسلامية، خاصة حلفاء واشنطن فى المنطقة، ومن هذه الدول مثلا، المملكة العربية السعودية والإمارات والأردن وغيرها، إضافة إلى قوات البلد "المضيف" العراق، ودون طلب من السوريين.

وبعد اجتماعات قمة دول حلف شمال الأطلسي فى مقاطعة ويلز، بداية سبتمبر، بحضور نحو 60 رئيس دولة، وبعد حصول التوافق على خطورة تنظيم "داعش" والاتفاق على حربه، تحركت الرئاسة والدبلوماسية الأمريكية لحشد دول العالم، وتعميم فرضية "خطر داعش" وإشعار هذه الدول بقرب تحرك هذا التنظيم وهيمنته على ملفات الأمن فى أوروبا وآسيا.

وبالفعل انطلقت الضربات لتستهدف عناصر التنظيم ومواقع تمركزه، لكنها إلى الآن ذات "يد حنون" جدا، حيث لم تظهر بوادر أي تقدم فى الحرب، بل على العكس، "داعش" هى التى تسعى للسيطرة على المزيد من الأراضى العراقية والسورية.

الحرب الأمريكية هذه المرة "ليست على الهوى"، أو هى بالأحرى تضرب من الجو، وتعبث على الأرض "دبلوماسيا". فهل يشهد عام 2015 دحرا تاما لـ"داعش" أم أن التنظيم سيستمر كابوسا في العام الجديد أيضًا؟

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً