اليهود الإثيوبيين
الشارع الإسرائيلى يشهد هذه الأيام حربًا من نوع خاص، وقودها أصحاب البشرة السوداء من اليهود، وتحديدًا اليهود الإثيوبيين، أو "يهود الفلاشا"، كما يسمون أنفسهم، والذين تظاهروا أمس الأحد فى تل ابيب، احتجاجًا على ما يواجهونه من عنصرية داخل المجتمع الإسرائيلىز�
�ولم تكن هذه العنصرية وليدة اليوم، وإنما بدأت منذ أن وصل الفوج الأول من المهاجرين قبل ثلاثة عقود، وتفجرت قضيتهم من جديد، بعد نشر شريط لعنصرين من الشرطة ينهالان على جندى إسرائيلى من أصل إثيوبى طعناً وضربًا، دون سبب يبرر العنف، سوى اللون.
وللعلم فإن اليهود فى إثيوبيا يمثلون نحو 15% من الشعب الإثيوبى، وهاجر منهم إلى إسرائيل نحو 150 ألفًا، وصل الفوج الأول منهم، فى حملة سرية سميت بالعملية "موسى" عام 1984، بتواطؤ من الرئيس الأوغندى الأسبق عيدى أمين، ورئيس السودان الأسبق جعفر النميرى، إلا أنه فى حقبة التسعينات من القرن الماضى، وفى عمليات أخرى مسماه بـ"سليمان"، بلغ عدد المهاجرين قرابة 120 ألفا، ولا تزال هجرات "الفلاشا" إلى إسرائيل متواصلة حتى الآن.
وعلى الرغم من عدم دقة إطلاق مصطلح "الفلاشا" على اليهود الإثيوبيين، حيث يتسع المصطلح ليشمل كل الغرباء الذين هاجروا إلى إسرائيل بعد أن تحولوا من الديانة اليهودية إلى الديانة المسيحية فى أواسط القرن الماضى، ثم عادوا مرة أخرى إليها، إلا أن الكثيرين يقصرون مصطلح "الفلاشا" على الإثيوبيين فقط.
وهناك اختلاف كبير حول أصول "الفلاشا"، حيث تتزايد الأقاويل حول جذورهم بين المصرية واليمنية، بينما يذهب البعض إلى أنهم أفارقة اعتنقوا اليهودية، فيذهب البعض إلى أنهم كانوا يعيشون بمصر فى القرن الثانى، ثم هاجروا إلى إثيوبيا، وتزاوجوا من سكانها المحليين، كما يقال إنهم يهود يمنيون هاجروا فى القرن الثانى إلى أن بدأت الحرب بين الملك الإثيوبى المسيحى "كالب" والملك العربى الجنوبى اليهودى "يوسف ذى نواس"، بينما يذهب البعض إلى صلتهم بالملكة بلقيس.
وقد فشل "الفلاشا" فى الاندماج فى المجتمع اليهودى، وتمت معاملتهم كمواطنين من "الدرجة الثالثة"، وليس هذا فحسب، بل لم تعترف إسرائيل على مدى عقود بيهودية أولئك الإثيوبيين، وبدأت الالتفات لهم فقط بعد أن وصلت الهجرة اليهودية إلى إسرائيل فى حقبة الثمانينيات من القرن الماضى إلى الحضيض، وهو ما أقلق الحركة الصهيونية، إذ رأت المؤسسة الحاكمة أن الإثيوبيين من شأنهم أن ينافسوا فلسطينيى 48 بمعدلات الولادة، ويحافظوا على الفجوة القائمة بين اليهود والعرب، فى النسبة المئوية من السكان.
ولا يزال الإسرائيليون ينظرون إلى المهاجرين الإثيوبيين نظرة فوقية بداعى أنهم لم يتأقلموا معهم ولا تعجبهم ملابسهم ولا نمط حياتهم، على خلفية أرقام تؤكد أن نسبة الجريمة فى أوساط الشباب الإثيوبيين تعتبر الأعلى.
�وسبق أن أكدت استطلاعات للرأى أن غالبية الإسرائيليين يرفضون أن يكون جيرانهم من الإثيوبيين، كما أن بعض المدارس لم تتردد فى فصل الطلاب الإثيوبيين، كما يقال إن مؤسسة تابعة لوزارة الصحة هناك، رفضت قبول تبرع بالدم من سيدة إثيوبية.
كما تم منع شبان إثيوبيين من دخول متنزهات عامة أو مجمعات تجارية كبيرة بسبب لون بشرتهم، حتى باتت المحطة المركزية القديمة للباصات "المهجورة" جنوب تل أبيب، هى المكان الترفيهى الأبرز لهم، كذلك فإن فرص العمل الأكبر التى أمامهم تتركز بالأساس فى أعمال النظافة والنقل، وخدمة البيوت والمؤسسات، إذ دل مسح قبل عدة سنوات على أن 90% من العاملات الإثيوبيات يعملن فى مجال النظافة والخدمة، وقد تراجعت هذه النسبة لاحقًا بقليل، كذلك فإنهم يعانون من نسب مرتفعة جدًا من البطالة والفقر.