يسرى الفخرانى
إحياء الذكريات فن.. كيف تحتفل بما ليس معك؟
قليل من الناس يدرك قيمة الإقامة لبعض الوقت فى الماضى، هذه رحلة صعبة يقدر عليها من يملكون خيالا عظيما، ومن لا يتصورون أن الرحلات إلى الماضى ضياع لوقت الرحلات إلى المستقبل.
أحب ذكرياتى حتى التى غمرها ملح البحر حتى زادها وجعا، أشعر أن مجموع هذه الذكريات هى التى تجعلنى أمر بغيرها فأشعر بحنين لها، إنها مثل الحب الأول الذى علمنا كل شئ فى الحب ومن الحب: اللمسة والسهر والخوف والأمنيات والقبلات المخطوفة التى لها طعم الدهشة!
مجرد أن تتذكر كيف كنت تملك أشياء جميلة، دليل حقيقى على أنه ممكن، على أنه يمكن أن تمتلك مثلها وأجمل، ومجرد أن تتذكر كيف كنت تمتلك أياما صعبة، ولم تمت، دليلا أخر على أن مهما كانت العواصف والأمطار فإن هناك آلاف من عشش العصافير الصغيرة الهشة تمسكت بأشجارها ولم تسقط، مهما كان طعم الذكريات فإننا أمام تجارب مهمة مرت وحان وقت النظر لها للمتعة فى كل الأحوال، أنها كانت جميلة وصنعتها أو صعبة وعشت بعدها، فى الحالتين الاحتفال بذكرياتك يستحق.
إن ألبوم الصور القديمة هو أرض خصبة بالذكريات، ينصح أن نمد أصابعنا ونظرنا إلى ألبوماتنا مرة فى الشهر على الأقل لكى نتوقف إجباريا فى محطات مرت فنتذوق طعمها، إننا لا نعرف كم كبر أطفالنا وكم بذلنا من جهد معهم إلا بتأمل صور مر عليها أعوام ربما قليلة، فنعرف متى كنا هنا وكانوا.
توضع الصور فى ألبومات على الحائط لكى نعرف أن حياتنا لم تمر دون تفاصيل صغيرة كثيرة صنعتها وصنعتنا، إننا خلاصة مايمر بنا، ما نعيشه وما يعيش فينا، كل لحظة كانت معنا هى التى شكلت اليوم الذى نعيشه الآن، كل نقطة سقطت من السماء على حجر هى التى صنعت مجرى النهر الذى يحمل القارب الذى نمضى به من حياة إلى حياة.
نكتب مذكراتنا أو يومياتنا أو ذكرياتنا ليس لنصنع تاريخ يقرأه من يجدها مخبأة فى صندوق، نكتبها لنا، لكى تقرأ ماكتبته فى يوم ما فى ظرف ما فى حالة ما، فتعرف أن الأيام مهما كانت صعبة تمضى ومهما كانت حلوة يمكن أن تمتلكها.
صديقى، ذكرياتك هى الأوراق التى تنثنى لتصنع قاربك وهى الأوراق التى تطوى لتصبح روايتك الخاصة التى تشبهك أنت فقط، الذكريات مثل بصمات أصابعك لا تتشابه ولا تتكرر، وهذا هو جمالها، فالذكريات تصنعها وجهة نظرك فى ما يمر بك، قد تراه جيد أو تراه ردئ، ممتع أو ممل، صافى مثل قطرة مطر ما زالت فى المنتصف بين السماء والأرض أو مملؤة بحزن وخوف وندم.
تصنع الذكريات، نحن نصنعها، كأننا نقص أوراقا ملونة نلضمها فى بعضها لتصبح عنقود دهشة، يزين حياتنا ويزيد أيامنا سحرا وجمالا وروعة وحبا، بعض الناس تقتل ذكرياتها، تخنقها، تخفيها أو تخيفها، فهى تمحوها كأن لا ماضى يستحق أن نعود إليه من وقت إلى وقت فنشعر بدفء وحنين، هؤلاء لا يعرفون كم أن الذكريات طاقة مذهلة يمكنها إعادتنا إلى أنفسنا بنقاء مذهل.