البث المباشر الراديو 9090
يسرى الفخرانى‎
فى المول الذى أصبح جزء من إسلوب حياتنا خلال السنوات الأخيرة يمكنك أن تُفَند وتٌفسر وتَفهم بعض من الشخصية المصرية؟

محلات صغيرة وأخرى أكبر، مقاهى ومطاعم وملاهى وأماكن مفتوحة للأكل متعدد الثقافات ومتعدد الثمن ، قاعات سينما تعرض أفكار سينمائية مختلفة ، سوبر ماركت كبير يضمن للمبنى التجارى زحام جيد ويستقبل فى نفس الوقت زبائن من طبقات إجتماعية متنوعة ، من يدفع فى المرة الواحدة عشرة آلاف جنيه لمشتروات ومن يدفع عشرة جنيهات فقط!

كنت ومازلت ضد ثقافة المول التجارى المغلق لأسباب تتعلق بجزء كبير من عمرى عشت فيه ثقافة الشارع وثقافة الرصيف ، حين كان كل ماترغب فى شراءه موجود فى محلات على طول الشارع وكل ماتحب أن تشربه أو تأكله يتيحه لك مقعد وطاولة صغيرة على الرصيف وسط كل الناس وليس بعض الناس التى تذهب للمول فى وقت محدد، حياة الشارع حيث الشمس والغبار والمطر فى مكان مفتوح لا حدود له بباب أو شباك أو موعد أو أمن خاص.. أكثر متعة، وأزيد هو أكثر حياة وواقع وحرية وتَمتع بالغرباء الذين يعبرون بجوارك.

منذ سنوات ليست بعيدة عندما سافرت فى إجازة قصيرة إلى أحد مدن الخليج وجدت أن لا مفر هناك من الخروج إلى المول للفسحة والأكل والشراء ومقابلات الأصدقاء ليس فقط لإرتفاع درجات الحرارة لكن لتوفير خصوصية تليق بثقافة الحياة فى الخليج.

حتى هذا الوقت كان يمكن أن أسخر من الفسحة فى مبنى مغلق مٌكيف مُحدد بمواعيد لأننى سأعود إلى القاهرة لأجلس وأكل وأشترى وأسهر فى الشارع إن أردت حتى صباح اليوم التالى فى حرية ومتعة وشًغف.

سنوات قليلة، وأصبحنا دون سابق إنذار أسرى المولات الرخامية ، نصارع من أجل الوقوف فى طابور التفتيش لدخول مكان يجمع كل حكايات الحزن ويحاول أن يقنعنا بالسعادة وأننا نعيش فيه أجمل أوقات عمرنا!

تركنا العالم بكل رحابته بكل إتساعه بكل حلاوته ومرارته وعشنا فى مربع من الحوائط المكيفة ، مربع مغرى إتسع لمن يرغب فى الشراء أو فى التسكع أو فى الفرجة أو فى الهروب أو الحصول على قدر من المساواة بين زبون يدفع وأخر يراقب.

يدهشنى كثيرا فى أوقات المدارس وجود طوابير من الأطفال على أبواب مول فى رحلة نظمتها مدرسة من قريب أو بعيد للحياة يوم فى مول!

لا يوجد أسهل من بتر جزء حر من شخصية طفل بإيداعه سجن الأربع حيطان بحجة الرحلة أو الفسحة أو اللعب، كنا أطفال محظوظين لأن رحلتنا كانت إلى حديقة أو بحر أو أثر قديم.

رصدت فى مدينة مثل أكتوبر حوالى 52 مول تجارى، المعنى أننا منذ عشرين سنة تقريبا قررنا أن نسير خلف القافلة بإتقان ونضع رؤوسنا فى المبانى التجارية ونودع صورة حية نابضة بالحياة والتنوع كنا نعيشها فى الشارع.

هذه الدكاكين الصغيرة والمقاهى المتناثرة والصيدلى والفرن واللبان ، صورة مبهجة لحياة تستحق أن تمشيها حرا على قدميك.

المول.. مثل أشياء كثيرة بعثرت علبة الألوان الجميلة البسيطة التى كانت تصنع حياتنا دون فذلكة ، صنع سجن المولات على طريقتنا ووضع فى طريقنا مغرى لمن ذهب أو لم يذهب!

حتى متعة السينما التى كانت تطل على الشارع بجوار مقهى صغير ومقلاة لب ومحل فول وفلافل يصنعون معا فسحة حلوة معقولة الثمن مبهجة إلى أقصى مدى، أصبحت سينما المول، سجن داخل سجن، وشبابيك زجاج مزيفة يطل منها شخص يبيع لك تذكرة ونظارة وكيس فيشار!

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز