يسرى الفخرانى
عندما يصبح التفكير جزءًا أصيلًا من فَهمنا لما يحدث حولنا، فهو يستحق أن نبذل جهدًا يساوى احتياجنا لرؤية الحقيقة. لكن هل نبذل هذا الجهد فعلا لنرى الحقيقة؟ السؤال الأكثر دقة: هل نرغب فعلا فى رؤية الحقيقة؟ فى معرفة الحقيقة؟ فى الحياة داخل الحقيقة؟
أم أننا نبذل جهدًا عكسيًّا لكى لا نفكر؟ وبالتالى ألا نصل إلى الحقيقة؟ لأننا نرغب بالبقاء فى منطقة تشبه ما نرغب فى أن نراه من أوهام ترضى أفكارنا المسبقة أو مصالحنا كما تصورناها أو كسل مُتقن نحصل منه على مكاسب دون جهد يذكر؟
أتابع صفحات التواصل الاجتماعى على مدار اليوم، وعليه أقر أننى أرصد تلك السذاجة المفرطة التى نتعامل بها مع محتواها، ويكفى أن يكون هناك منشور متوافق مع رغباتنا "وربما قناعتنا" إلا ونتحمس فى دعمه باللايك والكومنت والشير "بلغة التواصل الحديثة"، قليل جدا من يبذل الجهد الكافى لكى يفند ويحلل ويفهم المنشور. والعكس موجود إذا كُتب المنشور ضد هذه القناعات أو الرغبة الشخصية.
هذه الخدع الصغيرة التى ليس فيها جهد أو تجديد وابتكار يقوم عشرات من سَحرة ودجالين ومشعوذى صفحات التواصل بنصب آلاف من الكمائن يسقط فيها دراويش ينتظرون من يحرك مشاعرهم فى الاتجاه الذى يرغبون فيه. وليس بالضررة فى الاتجاه الصحيح!
أصبحت صفحات التواصل سوقًا يتسع لبيع الترام والعتبة الخضراء بسهولة مفرطة، الخدع تصل حد النصب، ورغم فَضح آلاف من الخدع التى قُدمت فى صيغ مختلفة لصور مُركبة أو فيديوهات مبتورة أو أخبار دُس فيها السم فى العسل، مازال الملايين يسعون إلى الاستمتاع بهذه الأكاذيب فقط لأنها تشبه رؤيتهم ورغباتهم، لنكتشف أننا أمام عالم كبير لا يبحث عن الحقيقة وربما لا يطيقها، إنما يبحث عن الابتعاد عنها بالقدر الذى يُشبعه ويمتعه بالكذبة التى تجعله يثبت وجهة نظره ويريح ضميره المُهلك من رحلة ذهب فيها بالخطاء لكنه لا يريد العودة لسبب أو آخر.
وصل الأمر إلى أن حتى تلك الحماقات التى نرتكبها حولناها إلى عبارات مأثورة على لسان كُتاب وشعراء وشيوخ رحلوا.. ونتداولها لكى نثبت وجهة نظر احترفنا المضى بها والدفاع عنها.
فماذا بعد؟
لا بعد إلا بالتفكير.. إلا بالقسم أمام الله أن نبحث عن الحقيقة ولا شىء سوى الحقيقة، فمن يرغب فى الحقيقة وأن يكون حقيقيًّا.