محمد رضا
ولد شغفه بالتمثيل بسبب والده، أحد أعضاء فريق التمثيل فى نادى "السكة الحديد" بالسويس، لذا كان حلمه، حتى وهو يدرس الهندسة كامنا بداخله، حتى صرح لعائلته وللعالم كله أنه ينوى دراسة التمثيل على أصوله.

بالفعل، بعدما نال دبلوم الهندسة عام 1938 التحق بمعهد التمثيل، واشترك فى فرقة "المسرح الحر"، وقدم من خلالها رائعة نجيب محفوظ "زقاق المدق"، وفيها لعب دور "المعلم كرشة" القهوجى ابن البلد، خفيف الظل والروح، والذى يرتدى جلباب بلدى.

كان ذلك فى الأربعينيات، حيث كان رضا فى العشرينيات من عمره، فهو مولود فى 21 ديسمبر 1921، ما يعنى أنه لعب دور المعلم فى شبابه، وهو الدور الذى يحتاج إلى سن ليس بالقليل، وخبرة حياتية كبيرة، بل وملامح حادة تناسب طبيعة مثل هذه الشخصيات، فى 1948 نظمت مجلة "دنيا الفن" مسابقة لهواة التمثيل، وتكونت لجنة التحكيم من يوسف وهبى وسليمان نجيب وصلاح أبو سيف وحسن الشجاعى، وقد تقدم لها 3000 متسابق، نجح منهم ثلاثة فقط، كان محمد رضا أولهم.
توقع رضا أن تختطفه السينما، لا سيما بسبب تلك الأسماء الرنانة فى عالم الفن التى كانت ضمن لجنة تحكيم المسابقة السابق ذكرها، أو حتى لدراسته التمثيل قبلها، ولكن هذا لم يحدث، وطال انتظاره حتى أنه اضطر للعمل فى مصلحة الشؤون البلدية والقروية بمرتب 15 جنيها.

كثيرون يتذكرون لفريد شوقى الكثير من المواقف العظيمة، أحد هؤلاء الكثيرين هو محمد رضا، الذى لفت نظر ملك الترسو عندما جسد دور "المعلم كرشة"، وحين قرر شوقى عمل فرقة ضم رضا فيها، ومنها انضم إلى فرقة إسماعيل ياسين، كان "المعلم كرشة" هو الدور الذى قدمه فى المسرح فى بداية حياته، كذلك كان هو نفس الدور الذى قدمه فى الفيلم الذى قامت ببطولته شادية سنة 1963 للمخرج حسن الإمام.
كان حينها رضا قد وصل إلى قمة نضجه فى عمره، بعدها قدم أحد الشخصيات التى ظلت لصيقة به طوال تاريخه، وهى شخصية "رضا بوند" فى فيلم "30 يوم فى السجن"، ورضا تقريبا هو أكثر من جسد دور المعلم فى تاريخ السينما المصرية، فبغض النظر عن الفيلمين السابقين، جسد رضا فى فيلم "معبودة الجماهير" و" كيف تسرق مليونير" وعدة أفلام أخرى، وكان فيها يجسد أحد الأدوار الثانوية، والتى لم تخرج عن دور المعلم المرح.

نجاح رضا فى تلك الأدوار، ومع تصاعد موجة الكوميديا فى أواخر الخمسينيات والستينيات بأفلام فؤاد المهندس وثلاثى أضواء المسرح ومحمد عوض، ومن قبلهم إسماعيل ياسين، جعل المنتجين يفكرون فى إسناد دور البطولة الأولى له، فكان فيلم " رضا بوند" أول أفلامه وهو من إخراج نجدى حافظ سنة 1970، وبطولته إلى جوار شويكار، وفيه أعاد استخدام نفس الشخصية التى قدمها فى فيلم "30 يوم فى السجن".

الفيلم لم يحقق نفس النجاح المتخيل، حتى جاء رضا وقدم واحدة من أهم أفلامه التى قام ببطولتها وأنجحها مطلقا وهو "عماشة فى الأدغال" للمخرج محمد سالم، توقع الجميع أن يسلك رضا مسلك النجوم، لكن الرياح لم تأت بما تشتهى سفن محمد رضا، لا سيما مع اضطراب الأجواء الفنية فى فترة السبعينيات، ما جعل الكثير من المواهب تخفت، أو تسافر لتصنع أفلاما فى الخارج، أو تتوقف عن الإنتاج.
عاد رضا إلى أدراجه فى الثمانينيات، وجسد دور المعلم فى أفلام أخرى، ومنها "شادر السمك" و"فقراء لا يدخلون الجنة"، وكذلك قدم دور رجل أعمال فى فيلم " البيه البواب" مع الراحل أحمد زكى، ولكنه رجل أعمال ذو خلفية شعبية، أى معلم متطور قليلا.

ورغم أن محمد رضا قدم أكثر من 350 عمل بين إذاعى وتليفزيونى وسينمائى ومسرحى، إلا أن القليل جدا ما حفر بالذاكرة، ولعل الجزء الأول من مسلسل "ساكن قصادى" الذى قدمه فى شهور عمره الأخيرة أكثرها خلودها، حتى رحل فى 21 فبراير من سنة 1995، وهو نفس العام الذى عرض فيه المسلسل الرائع، الذى كان خير ختام لفنان رائع يحكى الذين عاصروه أنه كان طيب القلب، شديد الالتزام، ويقال إن ابنته توفيت قبل سنوات من رحيله، فتلقى عزائها وذهب إلى المسرح ليلا ليؤدى دوره وواجبه المهنى.