بديعة مصابنى
فى سنة 1912 وقفت الشابة الصغيرة المولودة فى 25 فبراير 1892 تتأمل حديقة الأزبكية، تلك الفتاة التى تحمل ملامح شامية، ذات قوام جميل وشعر طويل.
تقدم إليها رجل متوسط العمر، اسمه فؤاد سليم، يعمل مع جورج أبيض بالمسرح القريب من الأزبكية، وعرض عليها العمل بالتمثيل، ولكنها لم تكن تجيد العربية حينها، لكنها وافقت فى النهاية، وتعهد تعليمها اللغة المصرية فؤاد سليم وإلياس فياض، وكذلك تعهدا تعليمها التمثيل والوقوف على المسرح.
كانت الفتاة اسمها وديعة حبيب، لكنها تحولت إلى بديعة، لشدة جمالها وحسنها، أما مصابنى فهو لقب مستمد من عمل العائلة فى مصبنة، والمصبنة هى المغسلة حاليا.
فى البداية رفضت أمها عملها بالمسرح، رغم تعهدات فؤاد سليم وإلياس فياض، فهربت وتعرفت على الشيخ أحمد الشامى، وطافت مع فرقته تقدم الاستعراض لتكتمل موهبتها بالقاهرة.
فى سوريا تعرفت على نجيب الريحانى، الفنان المسرحى ذو الشهرة الواسعة حينها، فتزوجا فى 1925، لتبدأ بديعة مرحلة هامة بالتمثيل فى مسرحية «الليالى الملاح» وهى أول مسرحية بينهما.
كانت بديعة متطلعة وسريعة البحث عن الشهرة والمجد، فاشترت بعد عام واحد من زواجها بنجيب الريحانى، صالة بعماد الدين، بمبلغ 5000 جنيه، وأنشأت فرقتها التى ضمت فيها 50 راقصة!
وكانت بديعة ترقص بصاجات نحاسية، وترتدى فستان سوارية عارى الظهر، فلم تكن تفضل بدلة الرقص، حتى اشترت كازينو آخر أسمته «كازينو بديعة» والذى كان مخزنا من الأسرار، حتى قيل إنه كان يمتليء بعملاء المخابرات العالمية، لاسيما فى فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

أصبح الكازينو أكاديمية فنية كبيرة، خصوصا مع عمل معظم نجوم الغناء والتمثيل فيه، ومن بينهم فريد الأطرش وإسماعيل ياسين وتحية كاريوكا وببا عز الدين ومحمد فوزى، ولم يكن الكازينو مكانا فنيا وسياسيا فقط، بل كان مكانا للمثقفين.
بعدها اشترت بديعة، كازينو جديد بالجيزة، بجوار الكوبرى الإنجليزى الذى أطلق عليه «كوبرى بديعة» لأنه الموصل إلى كازينو الست (مكان الشيراتون الآن)، وتقدم عليه فى مايو رواية «نينتى وخالتى»، ألحان عزت الجاهلى وإخراج بشارة واكيم.
نجيب الريحانى كان يحب بديعة مصابنى بشدة، ولكنه فى مذكراته التى نشرها الناقد الكبير شعبان يوسف قال إنها بحر من الأسرار، وهذا يدل على قوة شخصيتها وصعوبتها الشديدة، كما يربط ذلك بينها وبين ما دار من صراع سياسى فى الكازينو الخاص بها.
«بديعة مصابنى تهرب من مصر.. والضرائب تطالبها بـ 80 ألف جنيه»، كان المانشيت الذى هز المجتمع الفنى فى مصر، فقد هربت بديعة بعد أن عجزت عن سداد الضرائب ونقلت ما تبقى من أموال إلى لبنان، وكانت قد لجأت إلى حيلة بالزواج من رجل أعمال لبنانى اسمه إلياس، واستخدمت جواز السفر الخاص به، وخرجت باسم مدام إلياس، وراح اسم بديعة وظهرت كسيدة تجلس فى حديقة بيتها فى ضيعة صغيرة بلبنان تعمل فى أعمال بسيطة تعيش منها.
لكنها وبعد غياب عادت بمسرحية «الكفيار والعدس» فى عام 1974، فى يوم 23 يوليو من نفس العام ماتت عن عمر يناهز الثانية والثمانين من عمرها، وقبل أن تموت وقعت على الدرج وأدخلت مستشفى تل شيحا فى زحلة.
ماتت بديعة مصابنى، وتركت وراءها حياة مليئة بالأعمال المسرحية والاستعراضية والنجاحات الكبيرة، ولكنها ماتت ومعها ألغازها التى ظلت فى طى التاريخ.