صلاح جاهين
رحل ولم يشاهد نفسه يقول على جنود الحملة الفرنسية عندما كانوا يجربون إحدى تجارب المنطاد الهوائى "مكفهومش الأرض.. طالعين ياخدوا حتة من السما".. رحل ولم يستمع إلى رباعيته الشهيرة يقولها بطل الفيلم "يحيى" أو محسن محيى الدين لمحبوبته: "إنشد ياقلبى غنوتك للجمال.. وارقص فى صدرى من اليمين للشمال.. ما هوش بعيد تفضل لبكرة سعيد.. ده كل يوم فيه ألف ألف احتمال".
ولعل الظهور السريع لجاهين فى الفيلم وكذلك تلك الرباعية الشهيرة يجسدان الكثير من أسرار "الطبخة" التى طالما حافظ عليها الشاعر العظيم طوال فترة إبداعه، وحتى الوقت الأخير من حياته.
لم يكف جاهين وحتى آخر سنين عمره عن فعل ما يحبه.. كان يهوى التمثيل بكل تأكيد، وظهر فى العديد من الأعمال، ومنها: "اللص والكلاب"، و"المماليك"، وسبعة أفلام أخرى ما بين الأجنبى والعربى، وانتهت بـ"بونابرت"، فكانت أحد أهم أسرار طبخته أنه يفعل ما يحب. سر آخر وهو الفلسفة، فى أحد اللقاءات التى جمعته بنادية صالح فى البرنامج الإذاعى الشهير "زيارة لمكتبة فلان"، قال إن مكتبته تحتوى على ركن كبير للغاية للكتب الفلسفية.
فلسفة جاهين - حتى وإن قرأ لكبارها وعظمائها - فكانت نابعة من الشارع والحياة. فلسفة إنسانية يتدفق بها جاهين فى شعره كالفلسفة. والرباعية التى قالها محيى الدين فى الفيلم هى فلسفة محض، وليست مجرد رباعية شعرية تنتهى بكلمة "عجبى"، وقد كانت رباعياته كلها كذلك.
الفلسفة هى سر من أسرار الطبخة، ويضاف إليها الطفولة بكل تأكيد، فقد عاش جاهين طوال حياته عاشقًا للأطفال، كتب لهم "أبريق الشاى" لسيد الملاح، وصارت أيقونة مهمة من أيقونات الأطفال المصريين، كتب أوبريت "اللعبة" الشهير والتى قدمته نيللى باستعراضات مبهجة ومبهرة. كتب كذلك "البنات البنات" التى غنتها سعاد حسنى فى مسلسل "هو وهى"، والكثير من الأغنيات التى حفظتها الأطفال.
السخرية سر آخر من أسرار "الطبخة"، فهو مولع منذ بدايته بحس الفكاهة والسخرية، وكانت رسوماته الكاريكاتيرية خير دليل على هذا السر المهم من أسرار طبخة جاهين.
فى حوار أخير له قال جاهين إنه يكتب "لما ربنا يفتح عليه بفكرة"، وقد يستمر إلحاحها والرغبة فى كتابتها يوماً أو اثنين أو أكثر، إلى أن تحين لحظة خروجها من أعماقه، وهى لحظة تدفق لا شعورى واختيار شعورى، تدفق شديد جدًا فى الخلق الأدبى، ومنها تفتح بوابة اللاشعور الذى سبق و"طبخ" فيه كل هذه "الطبخة".

كان جاهين نفسه يستخدم ذات الكلمة، ولكنه فى نهاية الحوار الصحفى الذى أجرى معه قبل أسبوعين فقط من وفاته قال: إن الكتابة لعبتى.. وأنا حاليًا لا أريد أن ألعب.
رحل جاهين بعد هذه الجملة بأسبوعين، وقد كف عن اللعب أو الكتابة التى كان يهواها.