جمال الغيطانى
عاش الغيطانى بين أهل حارة «درب الطبلاوى»، ينهل مما رآه من بشر وحجر وبيوت قديمة، وأبواب خشبية عتيقة، وكان قربه من «خان الخليلى» بمثابة الدرس الأهم فى حياته الإبداعية، وهو الحى الذى قضى الغيطانى فيه فترة تكوينه.
فى أحد التقارير التى نشرتها جريدة «الوفد» سنة 1989 تحدث الغيطانى عن ذكرياته فى حارة «درب الطبلاوى» فيقول إنه قبل أن يهل شهر رمضان تزدحم الحارة بالأطفال، ويعج شارع «قصر الشوق» بالحركة بعد صلاة العشاء فى مسجد «سيدى المرزوقى»، سيما أن الأطفال قد أدركوا قرب اللحظة الحاسمة بمشاهدة الرؤية، وتنتقل الأسر للتهنئة عبر الشرفات، ويظهر باعة اللبن الزبادى والفول، وتلتف المآذن بأحزمة الضوء.

ويحكى الغيطانى عن أهم بائع مخلل فى المنطقة ويسمى البولاقى: «ها هو البولاقى يقف خلف منضدة كبيرة عليها أطباق حافلة بأنواع المخلل، كان رجلاً نحيلاً قصيرًا لا أذكر ماذا كانت وظيفته بالظبط أو عمله الأصلى، ولكنه كان يتفرغ تمامًا لإعداد المخلل فى أوانى أخرى حافلة بما لذ وطاب، فكانت لطبق المخلل الخاص به رائحة نفاذة تملأ الجو».
أمام مساجد حارة «درب الطبلاوى» وعلى نوافذها كانت توضع قلل الفخار، هكذا يقول الغيطانى، ووظيفتها هى أن يشرب عابرو السبيل فى أى وقت من اليوم، ولكن تزداد قيمة وظيفتها تلك فى رمضان، وتحديدًا وقت الإفطار.
ويحكى الغيطانى أنه سمع حكايات عن حارة «درب الطبلاوى» قبل مجيئة إليها، وهى أن بيوت الأثرياء كانت دائمًا مفتوحة للغرباء، وكانت تضج بالموائد وعليها أطباق الطعام، يدخلون فلا يُسألون عن شخصهم ولا عن قصدهم. يقول إنه أدرك بقايا هذا التقليد فى الحى، عندما كان بعض الصناع وكبار التجار يتناوبون على الخير للغرباء.
يتذكر الغيطانى جيدًا عم حسن باجورى المسحراتى، التى كانت طبلته باعثة على البهجة فى نفسه كطفل.
عاش الغيطانى فى حارة «درب الطبلاوى» وتحديدًا فى المنزل رقم 10 سنوات كثيرة، أثرت فيه وأثر فيها، أثر فى أهلها وأثروا فيه، كتب عنهم ومنهم، عاش فيهم وعاشوا فيه، وإلى آخر لحظات حياته العامرة بالإبداع والمحبة كان يتذكر أهل الحارة، وكانوا يتذكروه.

يقول فى «دفاتر التدوين» إنه أقام مع أسرته فى غرفة واحدة بالطابق الخامس، وكان الباب يؤدى إلى السطح الفسيح المتصل بالأفق الدائرى إلى دورة المياه المجاورة، أما النافذة ناحية الغرب، فالفراغ الذى تؤطره مستطيل تطل على الدرب».
كانت حياته كلها فى الدرب، وحتى بعد أن جاب القاهرة القديمة شرقها وغربها يتحدث عن مكامن الجمال وعبق التاريخ فيها، لم ينس أنه من تلك الحارة المهمة، أنه من تاريخها وحاضرها ومستقبلها، وهى كذلك من تاريخه.