البث المباشر الراديو 9090
محمود على البنا
"تلاوة الشيخ البنا فى صلاة الفجر، كأنها العسل المصفى"، لم تكن جملة عابرة قالها الشيخ أبوالعينين شعيشع، ويصف بها الحالة التى يكون عليها القارئ الكبير بعد أن يستمع إلى تلاوة الشيخ محمود على البنا أثناء صلاة الفجر، بل هى شهادة بعبقرية صوت البنا وموهبته، ومكانته المتفردة بين قراء القرآن الكريم المصريين.

فهناك ربط غريب بين قرآن الفجر وبين اسم البنا، وهو نفس الربط الذى حدث عند المصريين مع سماع الشيخ رفعت وارتباطه بقرآن المغرب فى رمضان، ربما البنا ورفعت فقط يمتلكان هذه الحالة من بين عموم دولة التلاوة المصرية على اتساع مواهبهم وقدرتهم على الإدهاش الدائم.

وفى كتابه «مزامير القرآن» الصادر حديثا عن منشورات إيبيدى، يسرد الكاتب الصحفى الكبير أيمن الحكيم بعضا من الحكايات عن الشيخ البنا، منها ما هو مضحك إلى حد البكاء، ومنها ما هى عجيب إلى حد الصدمة.

يقول مثلا إنه فى سنة 1958 وفى قرية إيتاى البارود، كان الشيخ البنا يقرأ القرآن فى سرادق عزاء، وكان الشيخ فى عز شبابه وصوته وذروة عنفوانه، واحتشد الآلاف من البسطاء ليستمعوا إلى الشيخ الشاب الذى يسمعونه فى الإذاعة، ومع تفاعل الناس وصل البنا إلى ذروة التجلى، فلم تملك السيدة الريفية البسيطة الواقفة خارج الصيوان مسحورة بالصوت والأداء، سوى أن تطلق زغرودة فرح!.

وإلى هذا الحد جعل صوت البنا تلك السيدة ومستمعيه أجمعين، يدخلون فى حالة من السعادة لا تتناسب أبدا مع الموقف الجلل.

وفى موقف آخر، حكاه الحكيم فى كتابه عن البنا، وهو أن ملك المغرب السابق محمد الخامس كان فى زيارة لمسجد الحسين، وصادف أنه كان يزور المقام فجرا، بينما كان البنا يتلى تلاوته المعتادة، فرق قلب الملك، ولم يتمالك نفسه، فانهمرت دموعه، وطلب أن يجلس إلى البنا، ويستمع إليه، فكان قارئه المفضل.

ولد البنا فى 17 ديسمبر من عام 1926، بإحدى قرى شبين الكوم، وكان هناك ثلاثة لم يكن ينساهم البنا طوال سنوات عمره: الأول هو الشيخ موسى المنطاش، والذى حفظ على يده القرآن فى كتاب قريته، والثانى هو الإمام إبراهيم بن سلام المالكى، وهو الذى تعلم على يده القراءات فى طنطا، أما الثالث فكان أحد أُسطوات النغم الموسيقى وهو الشيخ درويش الحريرى، والذى تعلم على يده المقامات الموسيقية فى القاهرة.

والتحق البنا بالإذاعة المصرية فى 1948، فيما اختير قارئا لمسجد عين الحياة فى ختام الأربعينيات، ثم لمسجد الإمام الرفاعى فى الخمسينيات، وانتقل للقراءة بالجامع الأحمدى فى طنطا عام 1959، وظل به حتى عام 1980، حيث تولى القراءة بمسجد الإمام الحسين حتى وفاته.

كانت علاقة البنا بالموسيقى والمقامات وطيدة، ليس فقط لأنه تعلمها على يد الحريرى، بل أن المستمع العادى يستطيع أن يلمس ذلك فى تلاواته، ويحكى الموسيقار الكبير محمد عبدالوهاب فى مذكراته أنه كان يجلس تحت أقدام البنا ليشرب منه أسرار الموسيقى ومقاماتها، فلقد كانت علاقتهما وطيدة للغاية، ويغمرها الإعجاب المتبادل، إلا أن الشيخ البنا كان يجهر بأنه يعشق صوت أم كلثوم، حيث يقال إنه غنى مرة أحد أغانيها، بينما يقال أيضا أن كوكب الشرق وعندما مرت بسيارتها صدفة فى مكان ما بالقرب من عابدين، حيث كان الشيخ يقرأ فى حفل عزاء، أمرت سائقها بالتوقف، وجلست منصتة للشيخ البنا.

وفى 20 يوليو من العام 1985، أسلم الشيخ البنا روحه لبارئها، وخرجت جنازته من مسجد الحسين، الذى كان هو شيخه حتى مات، وصلى الشيخ محمد متولى الشعراوى بجموع المصلين، وخرج الجميع فى جنازة مهييبة إلى مسقط رأسه بالمنوفية.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز