سهير القلماوى
وبالكاد يعرف القارئ اسم أو موضوعات رسائل الماجستير والدكتوراه الخاصة بها، فالأولى حول "أدب الخوارج فى العصر الأموى" عام 1937، والثانية عن "ألف ليلة وليلة" عام 1941، إلا أن الكثير من النوافذ الفكرية لسهير القلماوى المولودة فى 20 يوليو 1911، غير مطروقة وغير معروفة.
وفى حوار لها مع مفيد فوزى قبل وفاتها بسنوات قليلة، قدمت فيه خلاصة فكرها وتجاربها، قالت إن بذور فكرها جاءت من عائلتها المتحررة نسبيا، فقد كان جدها رجلا متحررا بالنسبة لجيله، فلم يكن يزوج بناته قبل سن العشرين. كان يرفض الزواج المبكر ويعتبره مأساة أسرة صغيرة، أما والدتها فقد تعلمت فى مدارس الجاليات، وتعلمت اللغات الفرنسية والإيطالية.

وفى طفولتها لم تعرف سهر القلماوى فرقا بين الرجال والنساء، وربما كان هذا مدخلا نفسيا طبيعيا لها عندما دخلت إلى الجامعة، فهى لم ترتبك مطلقا أمام تجربة الاختلاط، ولم تشعر أن هناك شيئًا غريبًا، ولذلك مرت سنوات الجامعة عليها بيسر شديد.
ومن النوافذ العقلية التى نهلت منها سهير القلماوى وتعلمت منها الكثير، بالتأكيد نافذة طه حسين، الأستاذ المباشر لها، قائلة: "أول قيمة أتذكرها من طه حسين هى الصلابة، ولو لم يكن طه حسين صلب الإرادة لما وصل إلى المكانة التى وصل إليها، كان يقول بصوته المميز الرنان: حنبقى ضعاف ليه؟، وكنت أشعر أنه يحرضنى على الشجاعة".

وأضافت القلماوى: "كان طه حسين يقول الحياة مواقف، والأديب موقف والمشتغل بالفكر موقف، وكنت أحس أنه يبدر فى أعماقى أهمية الشعور باتخاذ المواقف، تعلمت من طه حسين التمسك بالحق، وكان يقول من لا يتمسك بحقه يفرط فى نفسه، وتعلمت أن الاعتراف بالخطأ فضيلة، بل أهم الفضائل؛ لأنها تنم عن تواضع مع علم، تعلمت معنى الالتفات لعقلى فأنا من جيل كان يطل عليه عمالقة كطه حسين ولطفى السيد وكانا يؤمنان بتعليم البنت، وتعلمت من طه حسين أن الجامعات لها مكانة سامية، وكان يقول إن أهم جامعات فى أوروبا أصلها كنائس، وأن الرواد فى مصر والعالم العربى ذاكروا فى الجوامع".
وتُعد القراءة عند سهير القلماوى حب وهواية والموسيقى غذاء وخبر، وذوقها الغنائى يتمركز فى فيروز وأم كلثوم، أما السياسة فهى عندها الإحساس بالمجتمع ومشاكله اليومية والبسيطة.

وتعتبر نوافد سهير القلماوى كثيرة، تحكى عنها الكاتبة الراحلة نوال السعداوى فى كتابها "قضايا المرأة والفكر والسياسة": "كنت طفلة فى المدرسة الابتدائية حين سمعت صوتها فى الراديو، صوت قوى ممتلئ، يشبه صوت أم كلثوم، إلا أنها لا تغنى، لكن تتحدث فى الأدب والثقافة وتعليم المرأة، هى مثل طه حسين، أحد الأعمدة الثقافية والأدبية فى بلادنا، يجب ألا تندثر أعمالها بوفاتها، فما أسهل أن تندثر الرائدات من النساء، كما أن لها مؤلفات وكتابات تستحق الاهتمام، فهى جزء من التاريخ لا بد أن تعرفه الأجيال المتعاقبة".

وتركت سهير القلماوى العديد من الأعمال، ولكن كتاب "أحاديث جدتى" هو الأشهر، كما لا يزال تاريخها وأعمالها مجهولة عند الأجيال الجديدة، كأعمال "الشياطين تلهو، ثم غربت الشمس، المحاكاة فى الأدب، والعالم بين دفتى كتاب"، كما أن ترجماتها كذلك غير شهيرة، ولذا نذكر منها: "قصص صينية لبيرل بك، وعزيزتى اللويتا، رسالة أبون لأفلاطون"، وأيضا ترجمت عشر مسرحيات للأديب الإنجليزى ويليام شكسبير.