جمال الغيطانى
كان الغيطانى، وهو الراحل فى 18 أكتوبر 2015، يقف مشدوها بالآثار القاهرية الإسلامية، يشرحها ويشرحها وكأنه أستاذ وطبيب ومحب، كان يقف أمامها معجبا وكأنه خرج من جدرانها ومسامها الضيقة، فلم يعجب النقاد ولا القراء أن أبدع ما كتبه الغيطانى "أوراق شاب عاش من ألف عام"، وكذلك "الزينى بركات"، إذ كتب الغيطانى سطورهما وكأنه عاش زمن المماليك والبصاصين ومكائد الكائدين الموجودين فى كل زمان ومكان، كتب سطورها الغيطانى وكأنه عالم ببواطن التاريخ وجيوبه الخفية والظاهرة.
"جهينة" فى سوهاج مسقط الرأس لم تنل منه، ولم تؤثر عليه، ربما كان وجوده صغيرا فى المنطقة التى أحب طوال عمره، الجمالية وضواحيها، فى مدرسة "الجمالية" الابتدائية أولا، ثم مدرسة "محمد على" الإعدادية ثانيا، ثم مدرسة "الفنون والصنائع بالعباسية" ثالثا، كانت من أهم روافد عقله وكلماته، لم يبتعد عما يحب، الجمالية هى قلب التاريخ الإسلامى، والعباسية التى كانت صحراء فى القدم، مذكورة كذلك فيه.
ورغم الشغف الواضح بالتاريخ، إلا أن الكثيرين يعتبرون الغيطانى أستاذ فى النقد الاجتماعى، إذ تنوعت نصوصه الروائية بين استلهام التراث ومواكبة الحداثة، ولعل "حكايات المؤسسة" من أبدع ما كتب فى هذا المجال، لم يكن المؤسس له بكل تأكيد، ولكن كان أحد أهم أساتذته الكبار الذين لم يكفوا عنه طوال حياته الإبداعية.
أما "حكايات الغريب" فهى الملحمة الوطنية التى برع كذلك فيها الغيطانى، ليجسد بطولات الشعب المصرى من الهزيمة والإحباط فى 1967، إلى الانتصار المستحق والمبهر فى 1973، عبر تفاصيل بسيطة وعبر حياة الناس اليومية العادية، وأتصوره رفع هنا شعار "يحيا العاديون"، فالغريب الذى اختفى كان صاحب الانتصار، وكان مبدعه ومؤسس قواعده فى البداية.
عاش جمال الغيطانى حياة مليئة بالنجاحات، كتب الروايات ونال عن كثير منها الجوائز والأوسمة، غطى حرب أكتوبر كمراسل حربى لجريدة الأخبار، وكتب فيها أروع الحكايات والملاحم التى جسدت بطولات جنود مصر على جبهة القتال مع العدو الغاشم، رأس تحرير جريدة أخبار الأدب وقدم فيها مجموعة من الصحفيين الذين صاروا الآن أهم الصحفيين الثقافيين فى مصر وربما فى الوطن العربى.
قدم برامج تليفزيونية، وحكى فيها عن آثار مصر الإسلامية الخالدة، وشوارعها التاريخية التى لا تبلى وإن اشتكت من الإهمال فى فترات عدة، كان حارثا أمينا على التراث والتاريخ، لذلك فإنه بالفعل "مولانا" الذى فى حضرته يصمت الجميع ليستمعوا إلى ما يقول/ قال، حتى فى ذكراه.