منيرة المهدية
منيرة المهدية لم تكن مجرد مطربة أو ممثلة، بل كانت سيدة مجتمع وصاحبة نفوذ ثقافي وسياسي، حملت المسرح الغنائي على أكتافها لسنوات طويلة، وأسست لمرحلة ذهبية لم تتكرر في تاريخ المسرح الغنائي المصري إلا في تجارب معدودة.


ولدت منيرة المهدية باسم زكية حسن منصور في قرية المهدية بمحافظة الشرقية، واختارت لنفسها اسمها الفني الذي اقترن باسم قريتها، عرفت اليتم مبكرا لكنها رفضت أن يكون ذلك عائقا أمام طموحها، وأصرت على تحقيق حلمها في أن تصبح نجمة ومشهورة، بدأت مشوارها بالغناء في الأفراح والحفلات بالزقازيق، حتى سمعها صاحب ملهى ليلي في القاهرة ونصحها بالانتقال إلى العاصمة، حيث كانت بداية انطلاقتها الحقيقية.


في القاهرة، صعد نجم منيرة بسرعة، وبدأت تغني في ملاه صغيرة حتى أصبحت مطلوبة في حفلات كبار الأعيان والقصور، ونجاحها دفعها لافتتاح ملهى خاص بها، لم يكن هذا الملهى مجرد مكان للغناء، بل تحول إلى ملتقى لرجال الفكر والسياسة والصحافة، وكانت ملاذا للفدائيين والمناضلين ضد الاحتلال البريطاني، في وقت كان فيه مجرد ذكر اسم سعد زغلول يعرض أي مسرح للإغلاق، إلا أن شخصية منيرة القوية جعلت الإنجليز يتغاضون عن نشاطها السياسي.


لم تكتف منيرة بالغناء، بل اقتحمت مجال التمثيل، وكانت أول امرأة تقف على خشبة المسرح مع فرقة عزيز عيد، وأول مخرجة مصرية أخرجت مسرحيتين بنفسها، وتجاوزت شهرتها حدود مصر، حتى أن صورتها زينت علب السجائر في سوريا.


اعتزلت الفن في نهاية العشرينيات ثم عادت عام 1948، لكنها وجدت الساحة قد تغيرت لصالح أم كلثوم، فقررت الاعتزال نهائيا حتى وفاتها في 11 مارس 1965.

منيرة المهدية كانت أيضا صاحبة فضل في تقديم الموسيقار محمد عبد الوهاب إلى الجمهور، بتوصية خاصة من أمير الشعراء أحمد شوقي، ليستكمل ما بدأه سيد درويش في تطوير الموسيقى العربية، كانت تدفع للملحنين والمؤلفين والتخت الشرقي رواتب شهرية، واستثمرت بسخاء في إنتاج الأوبريتات والأوبرا، وهو ما لم يعد متاحا بعد رحيلها.
علاقات منيرة المهدية لم تقتصر على الوسط الفني، بل امتدت إلى أرفع دوائر السياسة، كان صالونها ملتقى للوزراء ورجال الدولة، وأثارت قبلة بريئة على يدها منه عاصفة سياسية وإعلامية انتهت بسفره إلى أوروبا هربا من الضغوط.