زكريا بطرس
وكانت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية طوال تلك القرون نموذجًا يحتذى به فى الالتزام بتعاليم الإنجيل والتعايش المشترك، بين أبناء الوطن الواحد والحفاظ على الوحدة الوطنية والترابط بين جميع المصريين عبر تلك الأجيال المتتابعة.
حتى وإن تعرض متطرف أو مغرض أو جاهل للعقيدة المسيحية بالإساءة أو التشويه، كان تعامل آباء الكنيسة بكل حكمة مع الأمر، دونما أن يسيئوا لمعتقد أو دين آخر بصفة عامة أو العقيدة الإسلامية على وجه الخصوص.
والأمثلة كُثر من موقف البابا بطرس الجاولى عندما جاء قيصر روسيا للبابا البطريرك الأنبا بطرس الجوالى، وطلب منه إقامة حماية لأقباط مصر فرد عليه «هل قيصركم يموت؟» قال «نعم» فرد عليه «أنتم تعيشون فى حماية ملك يموت، أما نحن نعيش فى حماية ملك لا يموت وهو الله نفسه» وعندما علم محمد على الرد الوطنى العظيم للبابا بطرس الجاولى، أخذ فرسه ونزل من المقطم إلى البابا بطرس الجاولى وقال له عبارته الشهيرة «لقد رفعت من شأنى ومن شأن أمّتك».. أقباط تشرف تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
ولم يكن هذا الموقف هو الوحيد، فتكرر الأمر مع البابا كيرلس الخامس والمندوب السامى البريطانى، عندما قال له «يا ولدى إن الأقباط والمسلمين يعيشون جنبًا إلى جنب فى البيت الواحد والمصلحة الواحدة ومكاتب واحدة يأكلون من أرض طيبة واحدة ويتلاحمون فى كل الظروف ويشربون من نيل واحد ولن نطلب نحن الأقباط حماية إلا من الله ومن عرش مصر».
وتكرر الأمر بشكل أو بآخر مع البابا كيرلس السادس والبابا شنودة الثالث، وقداسة البابا تواضروس الثانى فى كل ما تعرضت له مصر من ضيقات وأزمات وثورات وحروب، حتى حربنا الآن مع الإرهاب والفكر المتطرف، كان الهدف الأجمل والأسمى هو إيجاد تلك المساحات المشتركة، بين الأديان وتعاليمها السمحة والنقية والمستمدة من صفات وأسماء الخالق عز وجل.
بالرجوع للسنوات الأولى من القرن الواحد والعشرين، ومع الانفتاحة فى مصر التكنولوجيا والفضائيات، حاول البعض استغلال تلك الوسائل لخلق واصطناع حالة من الفتنة أو المشكلات بالتعرض لعقيدة خلاف عقيدته بشيء من الازدراء، أو التشويه أو التقليل من شأن اتباع العقيدة، وكان نموذج القس زكريا بطرس (سابقًا) الأقرب لتلك المنهجية الشاذة والغريبة عن آباء الكنيسة وعن مجتمعنا المصرى بصفة عامة.
وفى تاريخ الحادى عشر من يناير من العام 2003 قدم زكريا بطرس طلب للاستقالة وتسوية معاشه من العمل فى الكهنوت فى الكنيسة القبطية، وقبل الراحل المتنيح قداسة البابا شنودة الطلب وقتها وتم اعتماده من مجمع الكنيسة، ومنذ هذا التاريخ لم يعد تابعًا للكنيسة المصرية فى الداخل أو الخارج، وانقطعت تمامًا صلته بها أو ممارسة أى عمل خاص بأسرار وطقوس الكنيسة، من قريب أو بعيد.
وكما أشرنا سابقا، فإنه مع ظهور بعض الفضائيات الغربية التى تبث من خارج مصر وغير تابعة أو خاضعة للكنيسة أيضًا واستضافته فى برامج متنوعة وفى أوقات متكررة، سواء فى القارة الأوروبية أو الولايات المتحدة الأمريكية، فانطلق متعرضًا للعقيدة الإسلامية، وتاريخها بأسلوب ومنهج لا يليق برجل دين سابق أو حتى شخص عادى يحترم الناس، ويقدر الاختلاف والتنوع بين العقائد والأديان.
وعلى التوازى مع ذلك استضافه البعض فى بيوت أو فنادق فى تلك الدول فقامت الكنيسة القبطية ممثلة فى إيبراشية لوس أنجلوس بالتحذير من تلك الاجتماعات، وما بها من تعاليم وأساليب غير لائقة ومتجاوزة فى أحيان كثيرة، وتكرر هذا الأمر مرات ومرات للتحذير من هذا الشخص، وتلك التعاليم والاجتماعات.
بوجه عام وفى عصر التكنولوجيا المتصارعة والمتسارعة، ربما يطل علينا من تلك الإرهاصات والتجاوزات الكثير والكثير، فكما نرى ونسمع ونتابع، أصبح التعرض لفكرة وجود الخالق عز وجل بصفة عامة، منتشر فى تلك المجتمعات الغربية فيما يعرف بالإلحاد أو ما شابه، وأصبح خطر يحدق بكل إنسان، يعرف ربه رافعًا يده وقلبه نحو السماء راجيًا مرضاة ربه والعمل لآخرته، وحياته بعد الموت.
ورفضت الكنيسة المصرية الأرثوذكسية تلك التعاليم والأقوال، وحالة الرفض والوعى الشعبى القوى عند غالبية المصريين مسلمين ومسيحيين، والترابط والمحبة والاحترام للرد على أى متجاوز متشدد ومتطرف، هى حالة رائعة ظهر صداها عبر مواقع التواصل الاجتماعى.