حيدر العبادى
تجربة العبادى، أو "التجربة العراقية"، تقضى بإلغاء بعض المناصب، والمخصصات الاستثنائية لبعض الهيئات، وكذا تقليل الحراسات على الشخصيات المهمة، بالإضافة إلى إنشاء لجنة تكون مهمتها اختيار أعضاء الحكومة ومحاسبتهم على تقصيرهم، وإقصاءهم إذا لزم الأمر.
هذه التجربة الوليدة قد لا تصلح فى بلد ملىء بالاضطرابات، لكنها منهجيًا، تحمل قدرًا كبيرًا من الرؤية، والفهم السياسى، فهل مثل هذه التجربة صالحة للاستعمال فى مصر؟!.
للإجابة لابد أولًا من معرفة بنود التجربة، وما قد تحدثه من تغيرات إذا طُبقت هنا.
جاء فى البيان المنشور على الموقع الرسمى لمكتب العبادى أنه واستنادًا إلى المادة 78 من الدستور، فقد تقرر "إلغاء المخصصات الاستثنائية لكل الرئاسات، والهيئات، ومؤسسات الدولة، والمتقاعدين منهم، حسب تعليمات يصدرها رئيس مجلس الوزراء تأخذ فى الاعتبار العدالة، والمهنية، والاختصاص".

وهو أمر لابد منه هنا فى مصر، لتقليل الأعباء على الموازنة العامة للدولة، وتقليل العجز العام، واستهداف المبلغ الفائض فى التنمية، والمشروعات القومية الكبرى التى تفيد الدخل القومى.
التجربة العراقية الوليدة نصَّت أيضًا على "إبعاد جميع المناصب العليا من هيئات مستقلة، ووكلاء وزارات، ومستشارين، ومديرى عموم عن المحاصصة الحزبية والطائفية".. وهو أمر حادث بالفعل فى مصر بعد ثورة 25 يناير، وتحكمه مبادئ قانونية، ودستورية، لذا فربما تكون التجربة المصرية فى هذا الأمر سبقت نظيرتها فى العراق الذى يمتلئ عن آخره بأزمات سياسية طائفية.
قرار العبادى نصَّ أيضًا، على أن "تتولى لجنة مهنية يعينها رئيس مجلس الوزراء اختيار المرشحين على ضوء معايير الكفاءة والنزاهة بالاستفادة من الخبرات الوطنية، والدولية فى أى مجال، وكذلك إعفاء من لا تتوفر فيه الشروط المطلوبة".
وهو بالمناسبة "مربط فرس" هذه التجربة، والذى إن حدث فى مصر، فإنه سوف يغير الأداء الحكومى رأسًا على عقب.. بعض الوزراء المصريين، يعملون وكأنه لا رقيب ولا حسيب عليهم، حتى إنهم يظنون أنهم فوق المساءلة.. وتشهد على ذلك الأزمات، والكوارث التى راح ضحيتها مئات المصريين.. فأمر كهذه اللجنة التى تختص باختيار الكفاءات، أو محاسبتها، وعزلها عن منصبها، جدير بالاهتمام، لإنهاء فكرة المحسوبية، والواسطة فى اختيار المسؤولين.
القرار نص أيضًا على "تقليص شامل وفورى فى أعداد الحراسات لكل المسؤولين فى الدولة، والذى يشمل الرئاسات الثلاث، والوزراء، والنواب، والدرجات الخاصة، ومديرى العموم، والمحافظين، وأعضاء مجالس المحافظات، ومن بدرجاتهم، ويتم تحويل الفائض إلى وزارتى الدفاع، والداخلية حسب التبعية لتدريبهم، وتأهيلهم، ليقوموا بمهامهم الوطنية فى الدفاع عن الوطن، وحماية المواطنين".
نعم نعلم أن حراسات المسؤولين المصريين مقارنة بنظيرها فى العراق تعتبر ضعيفة، وهزيلة بشكلٍ كبير، سواء من حيث العدد، أو التسليح، نظرًا للأزمات والتفجيرات التى تضرب بلاد الرافدين، كما أن فكرة تحويل الفائض إلى وزارتى الدفاع، والداخلية قد لا تحتاجها مصر، للكفاءة الكبيرة التى يتمتع بها رجال القوات المسلحة، والشرطة، وقدرتهم الهائلة على مواجهة المصاعب، إلا أن التفكير فى تقليص الحراسات أمر لابد أن يؤخذ فى الاعتبار، ولاسيما أن هناك مسؤولين لا نسمع عنهم، ومُعين لهم حراسات خاصة.

ولفت البيان أيضًا، إلى أنه تم إقرار "تقليل عدد العاملين فى الوزارات، والهيئات، لرفع الكفاءة فى العمل الحكومى، وتخفيض النفقات".. هذا البند، ولاشك سوف يفيد مصر كثيرًا، ولاسيما أن هناك جهاز بيروقراطى عتيد، مكوَّن من 6 مليون موظف تقريبًا، معظمهم لا يعمل ولا ينتج.. التقليل من هذا العدد يسهم بالفعل فى تقليل الإنفاق الحكومى على المرتبات، ولعل تطبيق قانون "الخدمة المدنية" خطوة على الطريق، بشرط أن يخرج المسؤولون عن صمتهم، وريبتهم، ويوضحوا مثالب ومميزات القانون.
فتح ملفات الفساد السابقة، والحالية تحت إشراف لجنة عليا لمكافحة الفساد تتشكل من المختصين وتعمل بمبدأ "من أين لك هذا؟".. ودعوة مجلس القضاء الأعلى إلى اعتماد عدد من القضاة المختصين المعروفين بالنزاهة التامة، للتحقيق فيها ومحاكمة الفاسدين، أمر أيضًا، اعتمده العبادى فى تجربته، وهو أمر وإن كان مطبَّقًا فى مصر إلى أن تفعيله بشفافية، ونزاهة يحتاج إلى طريق شاقٍ وطويل.