البابا شنودة
ربما أدرك البابا رقم 117، أنه جاء إلى الدنيا ليحقق وينجز وينجح فى مجالات مختلفة وعلى أصعدة متنوعة، لا أن يكتفِ بدوره الدينى فقط، ذلك أن إحساسًا بالزعامة يتولد داخل وجدان أحدهم، فيصبح مرشده فى رحلته الطويلة، وهو ما يمكن اعتباره تفسيرًا لمشوار البابا شنودة الذى لم يوجه جهوده فى الناحية الدينية والدعوية فقط، بل وجد أن لوطنه حقًا عليه، وأن عليه الإدلاء برأيه فى قضايا تخص هذا الوطن، ففعل ذلك فى شجاعة وثقة، غير عابئ بشىء إلا مصلحة وطنه، ونتيجة لذلك لم يكن صدامه مع الرئيس السادات غريبًا، بعد أن أعلن البابا صراحة رفضه لاتفاقية السلام التى أبرمها السادات مع إسرائيل.
درس البابا شنودة، الذى كان اسمه الحقيقى هو نظير جيد، التاريخ الإسلامى والفرعونى والحديث بكلية الآداب جامعة القاهرة، وحصل على الليسانس بتقدير امتياز، ووجه تفكيره بعد ذلك فى دراسة الآثار القديمة.

انشغل نظير جيد، المولود فى الثالث من أغسطس لعام 1923، بالكتابة، أحب الشعر وعمل محررًا ثم رئيسًا لتحرير مجلات تابعة للكنيسة، كما كان له نشاطًا كبيرًا فى الناحية الدينية والدعوية، وكثيرًا ما دعا للسمو الإنسانى والانفصال عن الموجودات وصولًا للسماء: "ليتنى يا رب أنسى الناس، وتبقى انت وحدك تشبع حياتى".
فى عام 1954، وفى سن الواحدة والثلاثين، تم رسمه راهبًا، بعد أن أبلى بلاء حسنًا أثناء عمله كخادم بجمعية النهضة الروحية التابعة لكنيسة العذراء مريم بمسرة، وبعد سنة واحدة صار قسًا، وفى عام 1959 بات سكرتيرًا خاصًا للبابا كيرلس السادس، وفى التاسع من مارس لعام 1971، توفى البابا كيرلس ليتم انتخاب بابا جديد يكون هو البابا شنودة، وذلك يوم الرابع عشر من نوفمبر ليصبح البابا رقم 117 فى تاريخ البطاركة.
رحل البابا كيرلس وخلفه البابا شنودة فى عام صعب، كان الرئيس السادات فيه مشغولًا بالتخلص من رجال عبد الناصر أو من أسماهم مراكز القوى، وجاءت سياسته التى سار فيها بأستيكة على خط عبد الناصر لتبدو الأمور وكأنها تسير فى اتجاه جديد تمامًا ومختلف، ومع اتفاق السادات مع الجماعات الإسلامية وعلى رأسها الإخوان بمقاومة المد الشيوعى، واستخدامهم كحائط ردع للأفكار التى رحب بها عبد الناصر، لم يكن غريبًا أن يتحفظ البابا على ذلك، فكانت هذه السياسة مؤشرًا على توتر قادم فى العلاقة، وصل هذا التوتر مداه عندما أعلن البابا رفضه التام لاتفاقية السلام، ليصبح واحدًا من بين 1531 شخصية اعتقلها السادات فى اعتقالات سبتمبر 1981، ولأنه البابا شنودة فإن السادات اكتفى بتحديد إقامته فى دير وادى النطرون، وللحقيقة، لم يكن بوسع السادات أن يزج بالبابا فى المعتقل، لأن العواقب كان من شأنها أن تكون عاصفة لدرجة لا يتخيلها أحد.

وخلال حكم الرئيس الأسبق حسنى مبارك، كانت العلاقة عادية، وحرص مبارك على عدم الاقتراب بشدة أو الابتعاد التام عن البابا، كطريقته فى التعامل مع ملفات أخرى كثيرة من حيث الحفاظ على مسافة معقولة مع بعض الأطراف.
إنجازات كثيرة ومتنوعة تمت خلال وجود البابا شنودة، إذ تمت سيامة أكثر من 100 أسقف وأسقف عام، بما فى ذلك أول أسقف للشباب، فضلًا عن سيامة 400 كاهن، وعدد لا محدود من الشمامسة، كما زاد عدد الإيبارشيات، وإنشاء عدد كبير من الكنائس.
ويوم السبت 17 مارس 2012، كان الأنبا بيشوى سكرتير المجمع المقدس، يعلن: "المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يودع لأحضان القديسين معلم الأجيال قداسة البابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، نياحا لروحه والعزاء للجميع"، وبعد يومين، تم نقل جثمانه بطائرة عسكرية بقرار من المشير محمد سيد طنطاوى إلى دير الأنبا بيشوى بوادى النطرون حيث أوصى أن يدفن هناك.