الرئيس محمد أنور السادات
ذلك الاختيار يدل على أن كرايسكى اختار زعيمين وصلا للحكم فى أضعف فترات مرت دولتهما بها، وتمكنا من تحقيق انتصار معنوى أعاد للدولتين الحياة، كان هذا هو حال تشرشل فى بريطانيا المحاصرة من هتلر، وحال أنور السادات فى مصر بعد نكسة 1967.
الأوقات العصيبة التى تمر بها الأمم صاحبة التاريخ تحتاج قيادات من نوع خاص، القرارات المصيرية هى ملعب الزعامات التاريخية، يحجز أصحابها مكانًا ثابتًا فى التاريخ، وفى تاريخ مصر نفر قليل من سيمتد ذكراهم لقرون قادمة، على رأسهم بطل الحرب والسلام محمد أنور السادات.

وضع السادات توقيعه على أهم أحداث مصر والعالم فى القرن العشرين، كان حاضرًا بصوته المميز فى ثورة 23 يوليو، وبدهائه الفطرى فى ثورة التصحيح 1971 حينما تخلص من كل أعدائه بضربة واحدة، وبجسارة قراره فى معركة العبور 1973، وبشجاعة قرار السلام.
كان يأمل أن يبدأ الإصلاح الاقتصادى وبناء الدولة فى عصره، لكنه تأخر 40 عامًا كاملة بسبب مراهقة اليسار والتيارات الشعبوية التى عارضت الإصلاح الاقتصادى وقتها، وضاعفت الفاتورة على الأجيال التى جاءت بعدها.
شجاعة وتواضع وبساطة السادات مهدت طريقه نحو الخلود، حتى أخطاؤه كانت عظيمة كقراراته، بداية التطرف الذى دفع ثمنه من حياته كان بسبب خطأ الاعتماد على الإخوان فى مواجهة اليسار، فكتب على قبرة "عاش من أجل السلام ومات من أجل المبادئ"، هذه المبادئ هى سر تلك العظمة التى تحيط بسيرته فى مصر وباقى دول العالم.

اقترب موسى صبرى من السادات "الإنسان"، ربما كان من القليلين الذين اطلعوا على عاداته اليومية، وكتبوا عنها ببراعة، يقول موسى: "كان السادات يحب مجالسه نفسه كثيرًا وكانت تمر عليه ساعات طويلة بلا لقاء أحد، كان يهوى التأمل حتى أن أكبر القرارات وأخطرها اتخذها بعد جلسات من التأمل الطويل".
ويضيف: "كان السادات يفضل الإقامة معظم الوقت فى استراحة القناطر، كان يحب الهواء الطلق، حيث تحتاج العزلة والتأمل إلى أماكن تساعد على ذلك، وكذلك العودة إلى المنزل الأول ومسقط الرأس، أول المنازل التى وقعت عليها العين، منزل عائلته فى ميت أبو الكوم بمحافظة المنوفية، حيث يشعر بالراحة والعودة إلى المنزل بعد سفر طويل".
يحكى موسى قائلاً: "كان السادات يصل إلى ميت أبو الكوم متعبًا مرهقًا وآثار ذلك بادية عليه وبمجرد أن ينام ليلته الأولى يصحوا نشيطًا، وكان عمره نقص عشر سنوات، وكثيرًا ما كان يطوف بالحقول فى المساء وهو يرتدى الجلباب القروى، ثم يجلس متربعًا تحت شجرة أمام الترعة".

كان السادات يهوى القراءة، كان يقرأ بلغتين، ولذلك تفكيره وتكوينه تأثر بعوامل كثيرة، أهمها مقال نشر فى مجلة "الريدز ديجست" أو "المختار" كتبه طبيب فى يوليو 1947 عن غنى النفس.
يقول موسى صبرى: "السادات ظل يذكر هذا المقال طوال حياته، وكان قد قرأه فى الزنزانة وقت حبسه، ووصفه بأنه طريقه إلى اللقاء مع نفسه فى صفاء، وعرف أن رضا النفس هو أثمن ما يمكن أن يصل إليه الإنسان فى حياته".
يتحدث المقال عن "الإيمان بالعقيدة هو هدف فى الحياة، والبعد عن الأنانية والتخلص من الأحقاد هو العلاج الحاسم لأى إنسان يتعرض لأزمة مع نفسه ويرى أن حياته لا مذاق لها، وأن الإنسان السليم هو الممتلئ بالإيمان والأمل، وأعظمهم الحب".
يقول المقال "الإنسان العاقل لا بد أن ينقذ نفسه، ولكن إذا تملكت الإنسان حالة احتقار الذات فإنه يصبح ميؤوساً من علاجه، وأن العقيدة تحطم هذا العائق".

وحتى تشعر بأهمية الحياة يجب أن تجد شيئًا تعيش من أجله، فجوهر العقيدة التى تنشأ فى القلوب الإنسانية فى هذا العالم المضطرب هو حصانة داخلية تصنع الهدوء، وتطرد الحقد مع إرادة قوية تطهر الروح من الذنوب، وتفتح الأبواب للضمائر الحية، وتطلق الحياة من أنانيتها إلى هدف له قيمة لكى نبذل أقصى ما فى وسعنا من أجل الآخرين، ونستبدل الصفقات الخاسرة بإيمان يحقق النصر فى معنى وهدف الحياة، ويدعم قوانا الداخلية فى مواجهة مصاعب الحياة.
إذا أردنا أن نضع أسباب لخلود السادات واستقراره بين عظماء التاريخ يجب أن نقف كثيرًا أمام لقاء السادات مع ذاته، وتعرفه على جوهر الحياة، وهو الإيمان والحب ونكران الذات والعمل من أجل الخير للآخرين.
اهتمام السادات بالأخلاق يفسر طلبه الدائم من أعضاء حكومته الاهتمام ببناء القيم الروحية للمواطن المصرى، لذلك كان يكرم الفنانين والمثقفين المسؤولين عن صياغة تلك القيم وإيصالها عبر أعمالهم الدرامية إلى الناس.
فى السياسة كان السادات يتجرد من عواطفه ولا يهمه أبدًا الانفعال العاطفى، حيث إن طبيعة المناور السياسى كانت تغلب عليه فى كثير من القرارات والتصرفات، وكان يفضل التدبير الخفى، فلا أحد يعلم ما يدور فى عقله، لاعب شطرنج ماهر، كل تحركاته على رقعة السياسة الخارجية بعيده النظر، وربما غريبة وغير متوقعه، وقد تثير موجات من الاستهجان والنقد العنيف لكنها ناجحة على المدى البعيد، تفهمها مع مرور الأيام والسنين.

ملكاته الشخصية كانت من أسباب نجاح مفاوضات كامب ديفيد وتوقيع معاهدة السلام، كانت الأمور تسير فى طريق مسدود، ومناحم بيجين يناور لإفشال المفاوضات، لكن طبيعة شخصية السادات التى لا تعرف اليأس عندما تصل الأمور إلى طريق مسدود.
كان بارعًا فى اختيار حل وسط يؤجل الأزمة ويعطى الفرصة للأطراف المختلفة أن تصل إلى نقطة بداية، وهو ما انتهى إلى توقيع معاهدة السلام بعد مارثون طويل ليحجز مكانه مع الخالدين من صانعى السلام.