إطلاق نار على مسجدين بنيوزيلندا
الجريمة تعرى الغرب لتقاعسه عن تبنى استراتيجية عالمية لمكافحة الإرهاب بشتى صوره
داعش صار نمطًا عالميًا.. والنازيون الجدد يسيرون على نهجه فى الدهس والهجمات المسلحة
تحرك مصر لملاحقة الإرهاب دوليًا يحقق مبدأ الردع
ويعكس احتفائه بجلاد مسلمى البوسنة، الصربى رادوفان كاراديتش، والمدان بارتكاب جرائم إبادة جماعية ضدهم إبان حرب الأربع سنوات 1992 - 1995، إنما هو أيضًا إشارة واضحة وبشدة على أن ذلك البغض العنصرى من قبل اليمين المتشدد والشعبى والنازى فى أوروبا والغرب قد صار متأصلًا، وربما قد صار خارج السيطرة.

ورغم أن العنصرية الممزوجة بأفعال إرهابية بشعة ليست بجديدة، وها هى تراوح فى مضامينها وتنوع ضحاياها المستهدفين ما بين مسلمين تارة، ومسيحيين تارة آخرى، وما بين عسكريين مرات، ومدنيين في أغلب المرات، إلا أن المحصلة تقول أن تعظيم قيم المواطنة داخليًا فى بلدان العالم المختلفة، والإخاء والتسامح عالميًا بين الدول والحكومات، قد صار فرض عين على الجميع، وعلى الغرب أولًا، وأن العالم فى أزمة كبرى، فاغتيال الإرهاب لمصلين على عتبة كنيسة أو مسجد فى مصر أو سوريا أو تونس أو إندونيسيا، يؤثر بصورة أو بأخرى فى الغرب، وحتى تلك العنصرية التى ربما تخلف ضحايا أبرياء من المهاجرين أو اللاجئين فى أوروبا أو أمريكا أو أستراليا سينعكس صداها بنتائج شديدة الخطورة فى الشرق الأوسط الملتهب، وهكذا.
الغرب طالما صاح غضبًا من الإرهاب المنتمى زورًا إلى الإسلام على طريقة القاعدة وداعش وأخواتهما، لكنه الآن ورغم مسؤوليته عن بزوج نجم ذلك التطرف الإسلامى المقيت فى أغلب الأحيان، بات هو نفسه أسير عنصرية وعنف داخلى مرعب على يد اليمين المتطرف.
مأزق كبير يعيشه الغرب الآن، بعدما ساهمت يداه فى صناعته، إنه الإرهاب متعدد الأوجه والأذرع أو "إرهاب كوكتيل"، وبات اللغم الذى ترقد عليه أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية بل وحتى بلدان الأمان والهدوء على طريقة أستراليا ونيوزيلندا والدول الاسكندنافية، مصدر تهديد لهذه الدول وجعلهم مجبرين على حبس أنفاسهم خشية اقتراف أى حركة حمقاء تؤدى إلى انفجار جديد هائل يأكل الأخضر واليابس.
ولا يواجه الغرب اليوم فقط خطر العائدين من مناطق الصراع فى الشرق الأوسط ممن خبروا أو اعتنقوا فقه داعش الدموى، فالعشرات من الدول الأجنبية تعانى كذلك من موجة إرهابية عكسية محتملة، تتمثل فى عناصر يسارية وملحدة، كانت توجهت هى الآخرى إلى سوريا والعراق وليبيا من أجل مجابهة تنظيم داعش الإرهابى، قبل أن يعودا إلى بلدانهم الأم لمواصلة كفاحهم الإرهابى.

أضف إلى ذلك صعود اليمين الشعبوى والمتطرف فى أوروبا وأمريكا والغرب عمومًا، وتولى قادة كبار بأجندات عنصرية فجة زمام الحكم فى عددًا من البلدان، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية تحت قيادة الملياردير العجوز، دونالد ترامب.
علاوة على موجات متلاحقة على فترات من النازيين الجدد التقليديين، ممن ينشطون من آن إلى آخر، وبالأخص ضد اللاجئين والأجناس غير البيضاء أو الشرقية.
ولطالما دعم الغرب ماديًا واستخباراتيًا ولوجيستيًا جماعات التطرف الإسلامى فى الشرقين الأوسط والأدنى، تحت ذريعة حماية مصالحه وضرب الدول المعادية وإبعاد احتمالات الإرهاب عن أراضيه، وهو ما أشعل حروبًا وفجر صراعات.
غير أن الظاهرة الداعشية كلفت الغرب ثمنًا باهظًا، بعدما تحول الأمر لموضة عالمية جذبت مواطنين غربيين، اتخذ بعضهم على عاتقهم نقل المعركة إلى بلده الأم، وهو ما أذاق الغرب مرارة الإرهاب الذى طالما أدمى دول العالم الثالث.
ضاعف من الكارثة، أن الغرب طالما عانى تحت سياط ضربات الموتورين بغرام النازية والفاشية من أبناء جلدته، فببساطة غدت أوروبا وأمريكا فى مرمى إرهاب مزدوج أو كما أشرنا سلفًا متعدد الجبهات.
قبل سنتين تقريبًا تعاملت الشرطة فى لندن مع حادث دهس عدد من المصليين المسلمين، فى أعقاب انتهائهم من صلاة التروايح فى ساعة متأخرة من مساء ليلة رمضانية حارة فى 2017، على أنه عمل إرهابى.
المصلون المسلمون تمت مهاجمتهم بواسطة سيارة فان، وتم دهسهم ببساطة باستخدام أكثر الوسائل الداعشية شيوعًا، فالإرهاب ووسائله صاروا نمطًا عالميًا تختلف الدوافع وتتماس الوسائل.
لقد صار الدهس إذن نمطًا عالميًا لكل الراغبين فى الانتقام الأعمى العشوائى، وكذلك الهجوم بأسلحة رشاشة على جموع المصلين، كما جرى فى جريمة مسجد الروضة بمصر نهاية العام 2017، أو فى هجمات الأحزمة الناسفة التى استهدفت المصليين فى كنائس بالقاهرة وطنطا والإسكندرية قبل سنوات.
وعلى مدار العامين الماضيين، تكررت حوادث الدهس، مما خلف العشرات من القتلى والمصابين فى مدن وبلدان أوروبية عدة مثل نيس واستوكهولم وبرلين ولندن نفسها.
وصاح مهاجم المصلين دهسًا بلندن، وهو يرتكب جريمته متوعدًا المسلمين بالهلاك، بما يعنى أن الكراهية لأتباع الدين الإسلامى، قد وصلت إلى عنان السماء فى العالم الغربى، وإن كان أنصار العقيدة الحنيفة يتحملون جزءًا كبيرًا من أسباب ذلك الوضع.

وهجوم نيوزيلندا الجديد نضح بنفس تلك الكراهية اليمينية تجاه المسلمين، وصار العالم يدور فى حلقة مفرغة من الفزع.
إن داعش، هو فى الأصل مجرد فكرة مجنونة ملكت ألباب كثيرين حول العالم، وبخاصة أولئك المهمشين أو الباحثين عن بطولة وشغف، وبالتالى فوسائله المبتكرة فى الدموية ونحر الأروح، صارت موجة أو موضة عالمية ستدور فى فلك المحاكاة والتقليد عقودًا.
الأخطر أن العملية عكسية، بمعنى أن الضحية هذه المرة من المسلمين، بيد أن أحدًا منهم لم يكن المتورطً فى الجريمة كما جرت العادة، سواء إبان الإرهاب التقليدى، أو فى زمن داعش وذئابهم المنفردة.
وعناصر اليمين المتطرف والنازين الجدد وجماعات القومية الفاشية ومهاويس الجنس الأبيض من دعاة نقاء العرق، طالما يرتكبون من حين لآخر، جرائم عنصرية ضد غير الغربيين.
وصعود اليمين الشعبوى والتيارات الدينية المسيحية المتطرفة، كمنافس قوى على السلطة فى عددًا من الدول الغربية، زاد من وتيرة تلك الجرائم، فيما أن بعضها يقع كرد فعل للإسلاموفوبيا، وجراء التمدد الداعشى صوب دول الحضارة الديمقراطية الغربية، الأمر الذى يدفع بعض المتطرفين للانتقام، عبر مواجهة العنف بعنف مضاد.

فى ألمانيا مثلُا، تكررت العمليات العنصرية الخاصة بعمليات قتل ودهس لعرب وشرق أوسطيين ولاجئين قادمين من مناطق الصرع فى ليبيا واليمن والعراق وسوريا.
طالبتان مصريتان لقيتا حتفهما فى ألمانيا جراء الكراهية للإسلام وللأجانب، خلال الست سنوات الأخيرة على سبيل الإشارة لا الحصر.
لكن أن ينتهج دعاة العنصرية الأوروبية نهج الإرهابيين فى الانتقام من المسلمين، فذلك هو الجديد والخطر الحقيقى فى ذات الوقت.
وعملية مسجد الروضة على وجه التحديد التى جرت فى نوفمبر 2017، وراح ضحيتها 311 مصليًا، واحدة من أفظع الجرائم وأشدها خطورة.
والجريمة استهدفت إلى جانب التفزيع والترهيب جر بقعة حيوية فى الدولة المصرية إلى ساحة التقاتل الأهلى والقبلى والمذهبى، كما حاولت إحراج الدولة داخليًا وخارجيًا، والرد على عملياتها الأمنية والعسكرية الناجحة ضد عناصر الإرهاب، فضلًا عن محاولة استثارة أبناء القبائل ضد الحكومة من جهة بدعوى عدم حمايتهم، ومن جهة آخرى دفعهم للنزول إلى أرض المعركة أخذًا للثأر، ما كان سيظهر الدولة المصرية ساعتها، وكأنها لم تعد تسيطر على الوضع فى مدنها ومحافظاتها، وكذلك تصوير البلاد وهى فى قلب تناحر داخلى بين مواطنيها، على أساس أن كثيرين من جنود أبوبكر البغدادى، من أهالى أرض الفيروز، وربما ينتمون لقبائل وعشائر لديها حساسيات تجاه بعضها البعض.
عملية الروضة كذلك بدت مريبة فى توقيتها، إذ أنها جرت بعد أيام قليلة من إعلان المخابرات العامة المصرية سقوط خلية تخابر تركية، إضافة إلى تزامنها مع توافد معلومات تشير إلى غضب غزاويين مرتبطين بطهران والدوحة أو مضارين من إغلاق صنبور التهريب عبر الأنفاق، ومن ثم لا يمكن استبعادهم من المتهمين بالتحريض والدعم المالى واللوجيستى.
الهجوم الوحشى على المسجد تزامن أيضًا مع تحركات مصر السياسية والمعلوماتية والأمنية فى سوريا وليبيا على وجه التحديد، وهو ما كان يثير غضب قوى إقليمية لا تتردد فى الثأر بدعم جماعات الإرهاب بسيناء.
كما أن العمل على إرهاب المسيحيين ودفعهم للهجرة وترك مصر، أحد أهم أهداف الإرهاب وأكثرها خبثًا، وهو ما انعكس فى حفلات الدماء البشعة التى طالت العديد من الكنائس ودور العبادة المسيحية على مدار الأعوام الماضية.

على هذا النحو، يبدو أى تحرك مصر لملاحقة الإرهاب دوليًا، وعدم الاكتفاء فقط بمحاكمتهم محليًا، أمرًا فى غاية الأهمية، نظرًا لأنه يحقق مبدأ الردع ضد الإرهاب الوافد والعابر للحدود، وفى الوقت ذاته ينقل الاستراتيجية المصرية لمكافحة الإرهاب إلى فضاء الدعم الدولى والمساندة العالمية.
العالم أصبح الآن فى حاجة إلى تعاون أكبر لمواجهة الإرهاب بالردع القانونى، وبإعلاء قيم المواطنة والإخاء والتعاون المثمر، وقبل هذا وذاك إعلان الحرب السياسية على دول ونظم تغذى العنصرية وتنفخ فى نيران الكراهية وتمول الإرهاب بشتى صوره.
وتنص استراتيجية الأمم المتحدة المعلنة فى العام 2006، على بنود غالية فى الأهمية لمكافحة الإرهاب وتنظيمات، وهى هنا تتحدث عن الإرهاب بالمطلق وأيًا كانت هويته.
تقول الاستراتيجية إن تعاون الدول فى مكافحة التطرف يصل إلى حد "الامتناع عن تنظيم أنشطة إرهابية أو التحريض عليها أو تيسيرها أو المشاركة فيها أو تمويلها أو التشجيع عليها أو التهاون إزاءها، واتخاذ تدابير عملية مناسبة تكفل عدم استخدام أراضى كل منا فى إقامة منشآت أو معسكرات تدريب إرهابية، أو لتدبير أو تنظيم أعمال إرهابية ترتكب ضد دول آخرى أو ضد مواطنيها".
حسب الاستراتيجية كذلك، فإن "التعاون بصورة تامة فى مكافحة الإرهاب، وفقًا للالتزامات المنوطة بموجب القانون الدولى، بهدف العثور على أى شخص يدعم أو يسهل أو يشارك أو يشرع فى المشاركة فى تمويل أعمال إرهابية أو فى التخطيط لها أو تدبيرها أو ارتكابها، أو يوفر ملاذا آمنا، وحرمان ذلك الشخص من الملاذ الآمن وتقديمه إلى العدالة بناء على مبدأ تسليم الأشخاص المطلوبين أو محاكمتهم".
كذلك فالاستراتيجية تحقق أيضًا "كفالة القبض على مرتكبى الأعمال الإرهابية ومحاكمتهم أو تسليمهم، وفقًا للأحكام ذات الصلة من القانون الوطنى والدولى، ولا سيما قانون حقوق الإنسان وقانون اللاجئين والقانون الإنسانى الدولى، وتحقيقا لهذه الغاية، سنسعى إلى إبرام وتنفيذ اتفاقات لتقديم المساعدة القانونية المتبادلة وتسليم الأشخاص المطلوبين، وإلى تعزيز التعاون بين وكالات إنفاذ القانون".

وأيضًا "تكثيف التعاون، حسبما يقتضيه الحال، فى تبادل المعلومات الدقيقة المتعلقة بمنع الإرهاب ومكافحته فى الوقت المناسب، وتعزيز التنسيق والتعاون فيما بين الدول فى مكافحة الجرائم التى قد تكون ذات صلة بالإرهاب، ومن بينها الاتجار بالمخدرات بجميع جوانبه، والاتجار غير المشروع بالأسلحة، ولا سيما الأسلحة الصغيرة والخفيفة، بما فيها منظومات الدفاع الجوى المحمولة، وغسل الأموال، وتهريب المواد النووية والكيميائية والبيولوجية والإشعاعية وغيرها من المواد التى يمكن أن تكون فتاكة، واتخاذ التدابير المناسبة، قبل منح اللجوء، بغرض التأكد من أن طالب اللجوء لم يكن ضالعًا فى أنشطة إرهابية".
العمل على جر الإرهاب المحلى إلى ساحة المحاكمة الدولية، سيتيح الاستفادة من أى قاعدة بيانات شاملة تتعلق بالحوادث ذات الصلة بالمواد البيولوجية، وتنسيق الجهود المبذولة على الصعيدين الدولى والإقليمى لمكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره على الإنترنت، وتحسين مراقبة الحدود والضوابط الجمركية بغية منع وكشف تحرك الإرهابيين ومنع وكشف الاتجار غير المشروع بجملة أمور منها الأسلحة الصغيرة والخفيفة، والذخائر والمتفجرات التقليدية، والأسلحة والمواد النووية أو الكيميائية أو البيولوجية أو الإشعاعية، وتحسين الأمن فى إعداد وإصدار الهويات الشخصية ووثائق السفر ومنع وكشف التلاعب بها أو استخدامها بشكل مزور.
يمكن الاستفادة كذلك من "التنسيق فى مجال التخطيط للتصدى لأى هجوم إرهابى تستخدم فيه الأسلحة أو المواد النووية أو الكيميائية أو البيولوجية أو الإشعاعية، ولا سيما باستعراض مدى فعالية ما هو قائم من آليات التنسيق المشتركة بين الوكالات المعنية بتقديم المساعدة وبعمليات الإغاثة ودعم الضحايا وتحسين كفاءتها بحيث يتسنى لجميع الدول تلقى ما يكفى من المساعدة"، علاوة على الاستفادة من الجهود الدولية الرامية إلى "تحسين أمن وحماية الأهداف المعرضة للخطر بشكل خاص مثل البنى التحتية والأماكن العامة، فضلا عن التصدى للهجمات الإرهابية وغيرها من الكوارث، ولا سيما فى مجال الحماية المدنية، مع التسليم بأن الدول قد تحتاج إلى المساعدة فى هذا الصدد".