داليا الحديدي
لاحقًا، آلم زميلتي أنها عندما قررت في المرة الثانية أن تلد بين أهلها، زارتهم عمة زوجها يوم العقيقة، فدخلت مقتضبة، وسلمت بغلظة، ولم تكن الزميلة تدري سبب تلك الخشونة من سيدة لم تلتقِ بها سوى يوم الزفاف.
بعد قليل، اعتذرت العمة لها قائلة: «سامحيني يا ابنتي، أقسم بالله حسبتك وضعتِ أنثى. مليون مبروك. اعذريني، لم أحضر هدية، فقد ظننتها بنتًا، أما وقد كان المولود ولدًا...» ثم خلعت قلادتها الذهبية من عنقها وأهدتها إليها!
وأضافت الأم: «أشد ما يؤلمني أنني تجمدت من شدة الخذلان، فلم أرد عليها. وددت لو أنني ألقيت القلادة في وجهها، فقد احتقرتني حين توهمت أنني رُزقت بأنثى!»
أما المفارقة في القصة، فهي أن تلك العمة كانت عقيمًا.
حين رويت القصة على أبنائي، كنت أتوقع استياءهم من العمة، أو من الزوج الذي خذل زوجته وتركها تواجه عسف عائلته وحدها، لكنني لم أتوقع تلك الهوة الكبيرة في التفكير بيننا. فهم لا يرون أي فضل لآباء يُظهرون التسامح إذا بُشِّر أحدهم بأنثى، كما يرفضون أي إشارة إلى استحسان إعلان الوالدين رضاهما بالأنثى، وكأن في ذلك منّة تستحق الثناء.
قالت لي ابنتي: «أنا مطلعة على أوضاع مجتمعي، لكنكِ، بمحاولتك إقناعي بأن على كل بنت أن تحمل جميلًا لأبيها لأنه قبل بوجودها، كأنكِ تصبين النفط على الجمر. وكأن الأب، رغم ما قُدم له من طعام رديء، رضي بقضاء الله!»..
وأضافت: «أنتِ تجعلين من الواجب فضلًا، وكأنكِ تبررين منح التبجيل مقابل فوائد التحقير».
أما ابني فقال: «كأنكِ تقولين إن أحد معايير الأب الفاضل هو ألا يتحرش بأبنائه أو أن المدينة الفاضلة تُقاس بعدد من يهنئون المسيحيين بعيد الميلاد. إنكِ تحولين الفرض إلى فضل. هذه المعايير لا تدل على صلاح الأب، بل على فساد المجتمع الذي يعامل الابنة وكأنها أقل شأنًا، حتى يصبح مجرد قبولها أمرًا يستحق الثناء والشكر.»
إننا أمام جيل أكثر وعيًا، يرى أنه مهما تعاطى مجتمعه مع الأفكار الخاطئة، فليس ملزمًا بتبنيها. إنها مغالطات فرضها مجتمع وضع سقفًا متدنيًا للقيم، فلا غرابة أن يُنتج شخصيات تعاني هشاشة في الإحساس بالاستحقاق.
لطالما عانت النساء من الهزائم، فلا عجب أن تشعر إحداهن بانتصار عظيم لمجرد أن أحدًا لم يحزن لمولدها. فقد عرفت البشرية عصورًا كان وأد البنات فيها واقعًا مريرًا، وهو ما يفسر افتخار بعض النساء بآباء لم يغتموا بولادتهن.
كانت مثل هذه الأفكار تُقبل في أجيال لم تتح لها فرص واسعة للاطلاع أو ممارسة التفكير النقدي. أما اليوم، وقد انفتحت آفاق العالم، فقد بات أبناؤنا أكثر وعيًا بمعايير الصحة النفسية والكرامة الإنسانية التي ينبغي أن تتوافر لهم. وإن لم تتوافر، فمن حقهم رفض البيئات التي تجعل قيمة الإنسان مرهونة بالنفع الاقتصادي أو بنوع الجنين، لأن مثل هذه البيئات تتكاثر فيها الأطماع وتختل فيها الموازين الأخلاقية.
لقد تهاوت بطريركية الأمس، بكل سطوتها، في عيون كثيرين. وأنا اليوم فخورة بأن بين بناتنا من لم تعد تقبل أهلًا غير مؤهلين للتعامل معها بما تستحقه من احترام، ولم تعد تسامح من يحاول إيهامها بأن قبول وجودها كان منّة، سواء أكان ذلك على مضض أم بغير مضض.
لا تسمحوا لأخطاء الماضي، ولا لضيق نظره، أن يسرقا بصيرة مستقبل بنات اليوم.