ترامب وإيران
- طهران تضاعف كروت المساومة فى يدها بضرب الطائرة الأمريكية
- ترامب لا يريد حربًا.. وصقور إدارته يدفعونه إلى معركة لا يريدها
- طهران تضرب فى كل الاتجاهات لحماية نفسها من العقوبات الاقتصادية
جرى ذلك فى وقت مبكر من صباح الخميس. فى مكان ما فوق مضيق هرمز استهدف الدفاع الجوى للحرس الثورى الإيرانى مركبة جوية أمريكية بدون طيار. كانت طائرة من طراز جلوبال هوك باهظة الثمن، حيث تقدر تكلفة صناعتها وتشغيلها بملايين الدولارات، وهى آلة ثقيلة انطلقت فى رحلات استطلاع وجمع معلومات فى المنطقة.
يقول الجيش الأمريكى إن الطائرة المستهدفة كانت فوق المياه الدولية، فيما تدّعى طهران أنها غزت الأراضى الإيرانية، فى حوالى الساعة 4.05 صباحًا بالتوقيت المحلى، أطلق صاروخ مضاد للطائرات تابع للحرس الثوري فأصاب هدفه في مقتل.
ومنذ شهور أصبح النزاع بين الولايات المتحدة وإيران أكثر حرارة. فى حين يضيف الاسقاط المتعمد لطائرة عسكرية أمريكية بعداً مغايرًا محفوفاً بالمخاطر إلى النزاع.

وكانت حكومة دونالد ترامب فرضت عقوبات اقتصادية مؤلمة على النظام فى طهران، وفى المقابل هددت القيادة الإيرانية بقيادة الرئيس حسن روحانى بتكثيف تخصيب اليورانيوم منتهكة بذلك الاتفاق النووى، حتى تلك اللحظة اقتصرت الصراعات إلى حد كبير على التلاسن والتعارك الخطابى. بيد أن كل شىء قد تغير الآن.
مساء الخميس الماضى، منح دونالد ترامب فى بادئ الأمر تصريحًا لهجمات انتقامية على منشآت عسكرية فى إيران. ثم عاد إلى الخلف عدة خطوات، ليتراجع عن قراره بعد فترة وجيزة.
المحصلة، أن ترامب صار أمام خيارات جميعه سيئة، فوقوفه ساكنًا دون رد فعل يؤشر لطهران أن بإمكانها الهجوم على الجيش الأمريكى بينما لن تتعرض لأى عقاب.
وبإمكان الرئيس الأمريكى مضاعفة العقوبات الاقتصادية لشل إيران تمامًا، إلا أن ذلك لن يكون كافيًا من وجهة نظر العديد من صقور المحافظين فى واشنطن، ناهيك بأن أى رد فعل عسكرى ضد دولة الملالى سينذر بحرائق هائلة فى الشرق الأوسط.
وتبقى الفرضية الأخيرة هى الأقل ترجيحًا، ومع ذلك كانت محبذة وبشدة فى دوائر واشنطن المحافظة، بعد إسقاط الطائرة بدون طيار.
لقد بدا الوضع فى الفترة الماضية وكأنه حالة استرخاء عام. فبعد أسابيع من تغريدة الحرب الشهيرة حاول ترامب احتواء الأزمة مع إيران. يوم الإثنين الماضى، قال إن الهجوم على ناقلتين للنفط بالقرب من مضيق هرمز، والذى نسبته وزارة الدفاع الأمريكية إلى إيران، كان مجرد "عمل صغير جدًا"، وعندما سئل متى سيقرر شن حرب ضد حكومة على خامنئى؟، قال: "بالتأكيد بسبب الأسلحة النووية" فقط. بل إن الرئيس الأمريكى أصدر تعليمات إلى مستشاريه لكبح خطاباتهم التهييجية والمحرضة على إشعال المعركة.
لكن جرت فى النهر مياه كثيرة شديدة الوطأة.. ففى صباح يوم الخميس، تفاخر الحرس الثورى الإيرانى بإسقاط الطائرة المسيرة. وقال حسين سلام، قائد الحرس الثورى، فى تصريحات لتلفزيون بلاده الرسمى، إن إسقاطها هو بمثابة "رسالة واضحة إلى أمريكا، فحدودنا خط أحمر، وسنرد بقوة على أى عدوان".. وتابع: "إيران لا تريد حربًا، لكننا قادرون تمامًا على الدفاع عنها".
صقور الإدارة الأمريكية يتخذون مثل تلك التصريحات كذريعة للدعوة إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد إيران. مستشار الأمن القومى، جون بولتون، ووزير الخارجية، مايك بومبيو، تصدرا مرارًا مشهد المحرضين على مجابهة طهران بحرب أو معركة عسكرية حاسمة.
ويشار إلى أن بولتون من رواد الدعوة إلى تغيير نظام الحكم فى طهران، حتى من قبل أن يصل إلى السلطة فى البيت الأبيض.
غير أن ترامب أوضح مرارًا وتكرارًا أنه لا يريد حربًا، ولكن فقط صفقة "أفضل" بشأن الاتفاق الذى تفاوض الأوروبيون والصين وروسيا والولايات المتحدة بقيادة باراك أوباما عليه مع إيران. يريد الرئيس إجبار الأخيرة على تقييد برنامجها الصاروخى والانسحاب من الحروب الإقليمية.
وعمومًا، وإذا كان ترامب يريد حقًا شن حرب ضد طهران، لكان قد وجد أسبابًا كافية لذلك. فمرارًا وتكرارًا، كان الجنود أو القواعد العسكرية الأمريكية فى المنطقة هدفًا لهجمات إيرانية.

فحتى وقت متأخر من مساء يوم 14 يونيو الجارى، سقطت ثلاث قذائف هاون على قاعدة "بلد" الجوية شمال بغداد/ (قاعدة البكر الجوية سابقاً)، وهى أكبر قاعدة جوية فى العراق وتبعد 64 كلم شمال العاصمة العراقية، حيث اشتعلت النيران فى بعض الشجيرات المحيطة بتمركز المدربين العسكريين الأمريكيين، ومع ذلك لم تعتبر واشنطن ما جرى هجومًا على أمنها القومى.
ومع ذلك، وفى اليوم التالى لتلك الحادثة، تم الإعلان عن إصدار حكومة ترامب لثالث إعفاء صادر على التوالى للعراق لاستيراد الغاز الطبيعى والكهرباء من إيران.
إن الحظر المفروض على صادرات النفط والغاز الإيرانى من جانب واحد، من جانب واشنطن منذ نوفمبر الماضى، هو فى الواقع فى صلب الخطة الأمريكية لتركيع القيادة الإيرانية، لكن العراق، وعلى الرغم من احتياطيات النفط الوفيرة، غير قادر على تزويد سكانه بالطاقة الكافية خلال فصل الصيف، ولمنع تكرار الاحتجاجات الجماعية التى اشتعلت الصيف الماضى، يستورد العراق حاليًا ما يصل إلى 28 مليون متر مكعب من الغاز و1300 ميجاوات من الكهرباء يوميًا من إيران، وهو ما يتم بمباركة من واشنطن.
واتبع الإيرانيون استراتيجية جريئة منذ عدة أسابيع، فقدموا أنفسهم كعامل لزعزعة الاستقرار فى المنطقة، لم يكن المقصود استفزاز واشنطن وحسب، ولكن أيضًا تصدير إشارة إلى الجميع بأن الثمن سيكون غاليًا إذا ما تم استهدافها.
إن إسقاط الطائرة الأمريكية بصاروخ أرض جو إيرانى، إنما يعكس استراتيجية جديدة لطهران، والتى طالما كانت تتبع سياسة "إنكار المعقول والمعلوم".
فى وقت سابق لم يكن بمقدور الغالبية ربط تصرفات مستفزة مباشرة بنظام الحكم فى إيران. كانت حريصة على تطبيق نظريات المنطقة الرمادية فى النزاعات السياسية – العسكرية، ومفادها أنه إذا كنت ترغب فى مواجهة العدو، لكن لا تريد أن تتحمل عواقب الهجوم، فانكر على طول الخط مسؤوليتك عن أى شىء.

هذا بالضبط ما التزمت به إيران لفترة طويلة خلال تلك الأزمة، فلا أحد يعلم بالهجمات على المناطق المحيطة بالسفارة الأمريكية فى بغداد، والقاعدة الجوية شمالها، فضلًا عن ناقلات النفط فى خليج عُمان، وأخيراً أربع منشآت لإنتاج النفط بالقرب من البصرة.
وتحصد إيران ثمارها سياساتها التصعيدية المستترة أو العلنية، فسعر خام برنت قفز دولارين مرة واحدة ليصل إلى 65 دولارًا للبرميل بمجرد الإعلان عن إسقاط الطائرة الأمريكية.
وحتى قبل تلك الواقعة، زادت أقساط التأمين على الناقلات المارة فى مضيق هرمز، حيث يعبر 20% من إنتاج النفط العالمى، بمقدار عشرة أضعاف، طبقًا لـ "قائمة لويدز"، البوابة المتخصصة لـ"الاستخبارات البحرية"، ومن المحتمل أن يراهن المضاربون على المدى البعيد على ارتفاع الأسعار الخاصة بالسلع الحيوية، كالبنزين، وهو ما قد يضير أنصار وناخبى ترامب أنفسهم.
وباستثناء إسقاط الطائرة الأمريكية، تحرص طهران على أن تكون ضرباتها غير موجعة. فقط تثير جلبة لكنها لا تشعل معركة.. فالصواريخ والقذائف فى العراق تسقط فى حقل مفتوح ليلاً. وفى هجمات السفن، بدت الجرعة أكثر وضوحًا: لم تغرق أى سفينة، ولم يتم اشتعال النيران تمامًا.
وبالتالى فالرسالة واضحة، ومفادها حرص تام على هذا المزيج الفريد من الهجوم وضبط النفس، ومن ثم يمكن التحكم فى بوصلة الأمر برمته، أى يمكن أن إشعال الأجواء ودفع الأمور نحو الأسوأ بسهولة، وفى أى وقت تريده طهران.
يعتقد الخبير الألمانى الإيرانى عدنان طباطبائى أن طهران أدركت أن المحادثات الثنائية المباشرة مع الأمريكيين ستحدث عاجلاً أم آجلاً، هذه المرة بدون أوروبا، ويقول: "لقيادة هذه المحادثات مع واشنطن من موقع قوة، تشعر الجمهورية الإسلامية بالحاجة إلى تكديس ما يكفى من القدرة على المساومة".
وتابع: "من المحتمل أن تتألف تلك القدرة من كامل موارد الردع الإيرانية: تأثيرها على المنطقة المجاورة، واستئناف البرنامج النووى وتوسيع برنامج الصواريخ والطائرات بدون طيار".
لا تزال اللعبة محفوفة بالمخاطر، من جانب كل من إيران والولايات المتحدة. صحيح، لا أحد يريد الحرب. هذا ما يقوله الجميع، بمن فيهم ترامب وقادة الميليشيات الشيعية الأكثر قسوة فى العراق ولبنان وقادة الحرس الثورى الإيرانى ورئيس إيران والأوروبيون على أى حال، ولكن وراء هذا الحد الأدنى من الإجماع، تعمل حكومة ترامب والإيرانيون وميليشيات الأقمار الصناعية الخاصة بهم على تحليل التكلفة والعائد.
مع عقوباته الشديدة، يضرب ترامب إيران اقتصادياً لدرجة أن طهران باتت تتعرض لضغوط هائلة: صادرات النفط وعائدات النقد الأجنبى قد انهارت، كما انخفض إنتاج السيارات.
لكن إذا ما استمر الاستعراض الإيرانى، فلن تكفى ترامب التغريدات، وساعتها سيكون الرئيس الأمريكى أمام طريق الحرب الحتمى، أو أن يعلنها صراحة بأنه مجرد نمر عجوز من ورق.