البث المباشر الراديو 9090
نابليون بونابارت
لم تبدأ القصة بإنذار أمني ولا بكاميرات مراقبة، بل بتصفيق داخل قاعة في متحف اللوفر.

تصفيق لحارس وقف محتجا، غاضبا، يطالب الإدارة بالنزول من مكاتبها العالية إلى أرض الواقع، محذرا من الاستهانة بالعاملين في الخطوط الأمامية.

بعد أسابيع قليلة فقط، سيتحول هذا الصوت الغاضب إلى أحد أبطال فضيحة ثقافية هزت فرنسا من قلبها.

خزف فاخر، صنعته أيادي حرفيي مصنع سيفر الملكي، كان يختفي بهدوء من القصر الرئاسي، قطعة بعد أخرى، دون أن يثير غيابه شكوكا فورية.

لم تكن السرقة اقتحاما صاخبا، بل انسحابا بطيئا للتراث، حتى تجاوز عدد القطع المسروقة المئة.

المفاجأة لم تكن في الاختفاء وحده، بل في الوجهة، تلك القطع، التي يفترض أن تبقى حبيسة خزائن الإليزيه، ظهرت علنا في معرض خاص بمدينة فيلييه-كوتريه، ضمن مجموعة فاخرة لجامع تحف يدعى غيسلان م. رجل يعرفه الوسط الثقافي، ويرتدي بذلات أنيقة، ويتحدث بشغف عن “التميز الفرنسي” وعبقرية صناع سيفر.

لكن غيسلان لم يكن مجرد جامع تحف. كان حارسا في متحف اللوفر.

من بوابة المتحف إلى السوق الخفية

التحقيقات كشفت أن الرجل الذي يتجول يوميا بين أعظم كنوز الفن العالمي، كان يحتفظ في منزله بقطع خزفية مصدرها القصر الرئاسي نفسه.

ولم يكن وحده، الخيط قاد إلى توماس م.، رئيس الخدم والمسؤول المالي في رئاسة الجمهورية، الرجل الذي كانت تمر بين يديه مفاتيح المخازن وسجلات الجرد.

بين الاثنين، تشكلت دائرة صامتة: خزف يخرج من الإليزيه، ينتقل إلى منازل خاصة، ثم يعاد تقديمه في واجهة ثقافية أنيقة، بلا أسئلة، بلا تدقيق، وبلا شعور بالعجلة.

أحد الأطباق المعروضة، من خدمة “كابراير” الشهيرة، كان يعود للإمبراطور نابليون الأول، قطعة تثير سؤالا ثقيلا: هل هو نفسه الذي وضع يوما على موائد القصر خلال ولائم رسمية؟

الشغف الذي انقلب إلى جريمة

غيسلان م. لم يخف حبه للخزف يوما، في تصريحات سابقة، وصف شغفه بأنه “تحية للحرفيين الذين صنعوا مجد فرنسا”.

وعلى حسابه في “إنستجرام”، تظهر صور له في قاعات المتاحف، وربطة العنق لا تفارق عنقه، وحتى في قاعة أبولو باللوفر… القاعة ذاتها التي شهدت سرقة مجوهرات التاج قبل أشهر.

محاميه يؤكد أن موكله لم يكن “تاجرا محترفا”، بل هاويا انجرف وراء الشغف.

القطع الأولى، كما يقول، لم تكن لافتة، ثم ارتفعت قيمتها تدريجيا، ومعها بدأت الشكوك.

لكنها شكوك لم تتحول إلى أسئلة، ولم تمنعه من الاحتفاظ بالمقتنيات داخل منزله.

انكشاف بطيء وسقوط مدو

استمر الاختفاء لعامين على الأقل، قبل أن يدق الإليزيه ناقوس الخطر ويقدم شكوى رسمية.

استقال المسؤول المالي في نوفمبر، وتحركت الدرك الفرنسية لتنفذ توقيفات في فرساي واللواريه. الاعترافات جاءت تباعا، بهدوء لا يقل غرابة عن طريقة السرقة نفسها.

وجهت إلى غيسلان م. تهمة إخفاء مقتنيات ثقافية مصنفة، وصدر قرار يمنعه من العمل في متحف اللوفر.

أما القطع، فسيعاد ما تبقى منها، بينما أجل النطق بالحكم إلى فبراير 2026.

أسئلة بلا إجابات

القضية لم تغلق بعد، لكنها فتحت جرحا أعمق: كيف يمكن لتراث دولة أن يهرب من قلب مؤسساتها؟ وكيف مرت قطع تعود لنابليون، ولتاريخ الجمهورية نفسها، من دون أن يلاحظ أحد غيابها؟

بين جدران الإليزيه وقاعات اللوفر، وبين الشغف والوظيفة، سقطت الحدود.

وما بقي، فضيحة تعيد طرح السؤال الأقدم: من يحرس الحراس؟

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز